أربعة من المتهمين أدين كل واحد منهم بـ30 سنة سجنا نافذا، فيما حكم على المتهم الخامس بـ20 سنة.
وبين صباح 25 يوليوز 2000، حين عثر على جثمان أحمد نبيه، و5 أكتوبر 2026، حين نطقت غرفة الجنايات الاستئنافية بأحكامها، سنوات تغير خلالها المحققون، وأعيد خلالها فتح مسارات في البحث، واستخرج الجثمان من قبره، وانتقلت القضية بين التحقيق والمحاكمة والبراءة والاستئناف ليسدل عليها الستار أخيرا. فمن يكون الضحية؟ وكيف سلكت قضيته هذا المسار الطويل؟
في ليلة 24 و25 يوليوز من سنة 2000، انقطع أثر الحاكم الجماعي لسيدي العايدي بسطات وأحد رجال المقاومة، قبل أن يُعثر عليه في صباح اليوم التالي جثة هامدة داخل سيارته بدوار لورارقة. كان جسده يحمل آثار اعتداء عنيف، فيما ستكشف نتائج التشريح الطبي لاحقا عن أكثر من 33 طعنة وإصابة في أنحاء متفرقة منه.
كان العثور على الجثة بداية واحدة من القضايا التي ستقاوم النسيان لسنوات، تحقيقات أمنية متعاقبة، شهادات وشبهات، أدلة أثار التعامل معها أسئلة، وجثمان سيُستخرج من قبره بعد تسع سنوات بحثا عن خيط جديد، فيما ظلت أسرة الضحية تطرق أبواب المسؤولين مطالبة بكشف حقيقة مقتل والدها.
وفي الخامس من أكتوبر الجاري، وصلت القضية إلى محطة قضائية جديدة. غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بسطات وزعت 140 سنة سجنا نافذا على خمسة متهمين؛ 30 سنة لكل واحد من أربعة متهمين، و20 سنة للمتهم الخامس، المتابعين بجنايتي القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والمشاركة في القتل العمد.
لكن بين جريمة سنة 2000 وحكم سنة 2026، قصة طويلة بدأت بسؤال بسيط: أين اختفى أحمد نبيه؟
كان أحمد نبيه اسما معروفا في سيدي العايدي، أحد رجال المقاومة، وأول رئيس للجماعة، بعدما تولى رئاستها سنة 1961، قبل أن يشغل لاحقا مهمة الحاكم الجماعي للمنطقة.
ووفق ما أكدته مصادر متطابقة على لسان عائلته، فقد كان الراحل يتردد بشكل منتظم على ضيعته، ثم يعود إلى منزله بمدينة سطات. وفي مساء 24 يوليوز 2000، أدى صلاة المغرب، لكنه لم يعد هذه المرة إلى بيته.
مرت الساعات دون خبر، ومع امتداد الغياب إلى الليل، بدأت أسرته رحلة البحث، خصوصا أن الرجل لم يكن معتادا على قضاء ليلته خارج المنزل. بحث أفراد عائلته عنه لدى معارفه وفي المستشفيات ولدى السلطات الأمنية، من دون نتيجة.
في صباح اليوم التالي انتهى الانتظار، عُثر على أحمد نبيه جثة هامدة داخل سيارته بدوار لورارقة.
المشهد لم يترك مجالا كبيرا للشك في أن الرجل تعرض لاعتداء عنيف لكن في مسرح الجريمة، ظهرت منذ البداية عناصر يمكن أن تدفع نحو تفسير ما حدث باعتباره جريمة ارتكبت بدافع السرقة حيث اختفى جهاز الراديو من السيارة، كما لم يعثر على حافظة نقود الضحية.
لكن طبيعة الاعتداء وعدد الإصابات سرعان ما جعلا القضية أكثر تعقيدا من مجرد سرقة انتهت بجريمة قتل.
فبعد إخضاع الجثمان للتشريح، تأكد أن الوفاة كانت نتيجة إصابات متعددة في أنحاء مختلفة من جسده، تجاوز عددها 33 طعنة، طالت، بحسب معطيات الملف، الوجه واليدين والصدر والرأس، وتسببت في نزيف وإصابات قاتلة.
وفوق ذلك، برزت مسألة سترافق الملف طويلا. فبحسب معطيات القضية، جرى غسل سيارة أحمد نبيه رغم وجود دماء وبصمات وآثار بداخلها كان من شأنها أن تشكل أدلة مادية مهمة بالنسبة إلى المحققين.
وهكذا، في الساعات التي كان يفترض أن تحفظ فيها أدق تفاصيل مسرح الجريمة، فقد التحقيق جزءا من الآثار التي كان يمكن أن تساعده في إعادة تركيب ما حدث داخل السيارة وتحديد الأشخاص الذين مروا منها.
من قتل أحمد نبيه؟ ولماذا؟
سؤالان سيحتاج الملف إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى إجابة قضائية بشأنهما.
بدأ الدرك الملكي في جمع إفادات الأشخاص الذين كانوا على اتصال بالضحية، خصوصا عمال ضيعته.
وأكد العمال أن أحمد نبيه غادر الضيعة مساء 24 يوليوز في اتجاه منزله بمدينة سطات. وكان معتادا على اصطحاب أحد العمال معه في طريق العودة، إلا أنه، بحسب الإفادات التي تضمنها الملف، غادر في تلك الليلة بمفرده.
وسط الشهادات التي جمعت، برزت إفادة رجل كان يوجد بالقرب من مسرح الجريمة، حيث أكد أنه رأى سيارة رباعية الدفع (4x4) رمادية اللون، قادمة من جهة مسرح الجريمة بسرعة كبيرة ومتجهة نحو مدينة سطات، وإنه تمكن أثناء مرورها من رؤية شخصين على متنها، لتتتحول السيارة إلى أحد خيوط البحث.
واستمع المحققون إلى أشخاص لهم صلة بسيارات تحمل المواصفات نفسها، كما جرت مواجهة بعض الإفادات المتعلقة بمكان وجودهم وتحركاتهم ليلة الجريمة. لكن الخيط لم يكن كافيا لحسم القضية.
تحقيق ثان.. والأسئلة نفسها
مع تعثر الوصول إلى مرتكبي الجريمة، انتقل الملف إلى مستوى آخر من البحث، ودخلت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على الخط.
أعادت الفرقة الاستماع إلى أشخاص سبق للدرك الملكي استجوابهم، ومن بينهم الشاهد الذي تحدث عن السيارة الرباعية الدفع الرمادية.
وبحسب معطيات الملف، تمسك الرجل بإفادته، وتمكن لاحقا خلال عملية تعرف من الإشارة إلى أحد الأشخاص باعتباره الشخص الذي شاهده على متن السيارة ليلة الجريمة.
ورغم ذلك، ظلت الأدلة العلمية تشكل الحلقة الأصعب في القضية، خاصة بعدما تعرضت له سيارة الضحية من غسل، وما ترتب عنه من صعوبة في استثمار آثار كان يمكن أن تساعد في الوصول إلى مرتكبي الجريمة.
بدأت السنوات تمر، فيما بقي السؤال الذي طرح صباح العثور على الجثة بلا جواب حاسم.
بعد تسع سنوات.. فتح القبر بحثا عن دليل
في سنة 2009، اتخذ التحقيق خطوة استثنائية، فبعد مرور قرابة تسع سنوات على دفن أحمد نبيه، جرى استخراج جثمانه من قبره بمقبرة سيدي عبد الكريم بمدينة سطات.
وحلت لجنة علمية ضمت خبيرا فرنسيا وخبراء مغاربة، حيث أُخذت عينات من أظافر الهالك قبل نقل الجثمان إلى المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء.
كان المحققون يعودون إلى الجثمان بعد سنوات بحثا عما قد يكون بقي من دليل لم تتمكن التحقيقات الأولى من الوصول إليه.
لكن مرور السنوات لم يكن ثقيلا على التحقيق وحده.
عائلة ترفض أن يصبح الملف منسيا
بالنسبة إلى أسرة أحمد نبيه، لم يكن طول التحقيق مبررا لإغلاق الملف. ومع تعثر القضية، لجأت الأسرة إلى عدد من وزراء العدل الذين تعاقبوا على المسؤولية، مطالبة بإعادة تحريك الأبحاث والوصول إلى المسؤولين عن مقتل والدها.
كانت السنوات تتراكم، والملف ينتقل بين مراحل مختلفة من البحث، بينما بقيت الأسرة متمسكة بمطلب واحد: معرفة من قتل أحمد نبيه.
وبعد أكثر من 17 سنة على الجريمة، عاد الملف بقوة إلى الواجهة، إثر إحالة خمسة أشخاص في حالة سراح على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بسطات لإخضاعهم للتحقيق التفصيلي.
لاحقا، تمت متابعتهم بجنايتي القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والمشاركة في القتل العمد.
