ردت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان نشر يوم أمس السبت 11 يونيو، على التحذير الذي وجهه الاتحاد الأوروبي إلى الجزائر يوم الجمعة عقب التصعيد مع إسبانيا، وعلى التهديد بفرض إجراءات انتقامية من بروكسل.
من حيث الجوهر، استخدم البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية نفس اللغة التي استخدمها في اليوم السابق السفير الجزائري لدى الاتحاد الأوروبي ويؤكد التراجع عن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الجزائر، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ضد إسبانيا لمعاقبتها لدعمها المطلق للمقترح المغربي الخاص بالحكم الذاتي في الصحراء.
أمام غضب الاتحاد الأوروبي، طلب من السفير الجزائري في بروكسل أن يتكفل، بدلا من النظام الجزائري، بإعلان التراجع عن التصعيد مع إسبانيا. ومن خلال تأكيد هذا التراجع، فإن البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية حاول أن يبرر ذلك من أجل التخفيف من الإهانة التي وجهها الاتحاد الأوروبي للنظام.
وجاء في هذا البيان أن "الجزائر أعربت عن أسفها ورفضها للتصريحات "المتسرعة" و"العارية من الصحة" التي صدرت أمس الجمعة (10 يونيو) باسم الاتحاد الأوروبي عقب القرار السيادي الذي اتخذته الجزائر بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تربطها بإسبانيا"، حسب ما أفاد به يوم السبت بيان لوزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج.
التصريحات "المتسرعة" و"العارية من الصحة" المشار إليها في البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية هي تلك التي أدلى بها بشكل مشترك يوم الجمعة الماضي الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، ونائب رئيس المفوضية المكلفة بالتجارة، فالديس دومبروفسكيس.
ووصف المسؤولان الأوروبيان قرار السلطات الجزائرية بتعليق معاهدة التعاون وحسن الجوار التي تربطهما بإسبانيا منذ 20 عاما بأنه "مقلق للغاية". لكن قرار تجميد الواردات والصادرات من وإلى إسبانيا، الذي اتخذ يوم 9 يونيو، هو الذي أثار غضب الاتحاد الأوروبي.
بالنسبة لوزارة الخارجية الجزائرية، فإن المعاهدة الجزائرية الإسبانية لم يتم تعليقها فعلا، لكنها كانت موضوع "إجراء تحفظي"، للتأكيد على أن تعليقها ليس له أي تأثير على العلاقات بين البلدين. وتعكس هذه التلاعبات اللغوية، التي يعرف النظام الجزائري سرها، انقلابا في الموقف تخفيه وزارة الخارجية الجزائرية بهذه العبارات: "حرصت الحكومة الجزائرية على التوضيح علنيا لنطاق الإجراء التحفظي الذي عملت على اتخاذه للحفاظ على المصالح العليا، ذات الطابع الأخلاقي والاستراتيجي، للبلد في مواجهة أعمال تمس بهدف وغرض المعاهدة".
كما تراجعت الدبلوماسية الجزائرية عن موقفها، بل وأنكرت أن الجزائر فرضت عقوبات تجارية على إسبانيا. "من الواضح أن التعليق المزعوم للعلاقات التجارية والاستثمارية مع إسبانيا الذي تضمنته التصريحات الأوروبية الرسمية السابقة الذكر، قد تمت إثارته بشكل مسترع ودون أي أساس"، كما جاء في هذا البيان الصحفي.
في يوم الخميس 9 يونيو، أعلنت جمعية البنوك والمؤسسات المالية الجزائرية بالفعل عن التجميد الفوري لعمليات التحويل البنكي لإجراء عملية استيراد من إسبانيا وكذا التحويل البنكي للتصدير إلى إسبانيا، مع الحرص على إضافة أن هذا القرار يأتي في إطار تطبيق قرار الرئيس الجزائري بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا. ومع ذلك، لا يمكن لجمعية البنوك والمؤسسات المالية الجزائرية اتخاذ مثل هذا القرار مع وجود آثار اقتصادية كبيرة دون تلقي الأمر أولا من السلطات العليا في البلاد.
وهذا لم يمنع وزارة الخارجية الجزائرية من اتهام جوزيف بوريل، رئيس الدبلوماسية الأوروبية، بالتلويح بهذا القرار الصادر عن جمعية البنوك والمؤسسات المالية الجزائرية من أجل استعمال مؤسسات الاتحاد الأوروبي لخدمة مصالح بلاده، إسبانيا، حيث لا يزال عضوا في حزب العمال الاشتراكي الإسباني الحاكم حاليا في إسبانيا.
بالنسبة لوزارة الخارجية الجزائرية، "هذا التدخل المؤسف هو نتيجة لعمل أقدمت عليه شخصية تعمل على تضخيم نظريات دبلوماسيتها الوطنية على حساب الحفاظ على مصالح الاتحاد الأوروبي...". بل إن بيان الديبلوماسية الجزائرية أكد أن "التسرع والتحيز في هذه التصريحات (الصادرة عن بوريل) يسلطان الضوء على الطابع غير اللائق لمحتواها، لكون الأمر يتعلق بخلاف سياسي ذي طابع ثنائي مع دولة أوروبية ليس له أي تأثير على التزامات الجزائر تجاه الاتحاد الأوروبي، ولا يستلزم بالتالي قط إطلاق أي مشاورة أوروبية لالتماس رد فعل جماعي".
ولكن بغض النظر عن المسار المتعرج الذي سارت فيه الخارجية الجزائرية في محاولة للتخفيف من الإهانة التي تلقاها النظام الجزائري الذي انقلب على مواقفه، يتضمن البيان الصحفي الصادر عن الوزارة التي يديرها رمطان لعمامرة معلومتين رئيسيتين. ففي الوقت الذي أكد البيان الصحفي الصادر عن الرئاسة الجزائرية يوم الأربعاء الماضي، والذي جاء بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، أن قرار تعليق المعاهدة مع إسبانيا كان مبررا بموقف الأخيرة من الصحراء، بينما بيان وزارة الخارجية لم يشر إلى ملف الصحراء.
من ناحية أخرى، من خلال الرضوخ للاتحاد الأوروبي، أوضح البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية على أن "الجزائر، التي لطالما وفت بالتزاماتها في إطار اتفاق شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، متمسكة شرعيا بترقية كل الجوانب ذات الصلة لهذا الإطار بكل شفافية"، وذلك "بالرغم من الطابع غير المتكافئ لبنية المبادلات التجارية بين الطرفين واختلال التوازنات التي تعرقل تطور شراكة اقتصادية مربحة للطرفين".
وهذا الأمر يشكل ضربة أخرى للرئيس الجزائري، الذي لطالما شجب الطبيعة غير المتكافئة لاتفاقية الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، بل وطالب بتعديلها كليا.
وهكذا، خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد 31 أكتوبر 2021، طلب تبون من الحكومة "مراجعة بنود اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بندا بندا، وفقا لرؤية سيادية ومقاربة رابح-رابح. مع مراعاة مصلحة المنتج الوطني بهدف خلق نسيج صناعي وفرص عمل"، بحسب ما أعلن عنه في ذلك الوقت بيان صحفي صادر عن الرئاسة الجزائرية.
وبعد أسابيع قليلة، قال للصحافة، بحسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية يوم 26 نونبر 2021: "أعتقد أن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي هي نتيجة ضعف الدولة الجزائرية"، في مواجهة الاتحاد الأوروبي بطبيعة الحال.
من خلال التأكيد على أن الجزائر ستحترم التزاماتها في إطار اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يبدو أن وزارة الخارجية الجزائرية تريد دفن تصريحات تبون بإعادة النظر في البنود التعاقدية لبلاده مع الاتحاد الأوروبي. هذا انقلاب آخر للنظام الجزائري الذي يسير على غير هدى.
