إنهاء مهام وزير الري طه دربال، الذي مكث في منصبه منذ 16 مارس 2023، لم يكن مجرد تدبير إداري، بل بدا كأنه محاولة لامتصاص غضب الشارع في حواضر الشرق، قبل أن يكشف التعديل الوزاري الذي أجراه تبون في اليوم الموالي (9 أبريل) عن ارتباك أعمق؛ إذ استُحدثت مناصب لقطاع الطاقة والمناجم، وبقيت حقيبة الري «شاغرة» تدار بالنيابة، في مشهد يختزل حجم التخبط الذي يطبع تدبير النظام العسكري للأزمات الاجتماعية والخدماتية.
أزمة «عطش» في استقبال البابا
جاء قرار الإطاحة بدربال بعد اضطرابات حادة في توزيع المياه شملت بلديات عنابة، البوني، الحجار، سيدي عمار وسرايدي، حيث عجزت مصالح الوزارة عن تأمين التزود بالماء الشروب رغم غزارة التساقطات المطرية وامتلاء السدود.
وعاش مئات الآلاف من السكان على وقع طوابير يومية خلف صهاريج المياه المتنقلة، في وقت كانت فيه المدينة تسابق الزمن لاستقبال بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، المقرر زيارته لكنيسة القديس أوغسطين يوم 14 أبريل.
وكشفت التحقيقات الميدانية عن «شلل» أصاب محطة تحلية مياه البحر «كدية الدراوش» بولاية الطارف، وهي المنشأة التي كلفت الخزينة 400 مليون دولار، قبل أن تتعطل جراء خلل تقني أثناء إعادة التشغيل بعد أعمال صيانة وصفت بـ«الهشة».
وفاقم فشل تدبير الموارد السطحية الوضع، حيث تسببت مشكلة «تعكر المياه» في سد ماكسة في خروجه عن الخدمة، مما جعل الخطاب الرسمي حول «تأمين التزويد» يصطدم بواقع تقني مرير.
تبون والبحث عن نوم مفقود
في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، نقل وزير الطاقة محمد عرقاب تصريحات لافتة مفادها أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تابع الأزمة بمرارة شخصية، لدرجة أنه «لم ينم لمدة ثلاثة أيام» انشغالا بوضعية سكان عنابة.
غير أن هذه التصريحات، التي أريد بها إظهار الجانب الإنساني والحرص الرئاسي، قوبلت بتهكم في أوساط الشارع الجزائري، حيث اعتبرها نشطاء تعبيرا عن عشوائية في التدبير، إذ كان الأجدر بالمؤسسات أن تعمل وفق أنظمة رقابة صارمة تجنب الرئيس السهر والمواطنين العطش.
إقرأ أيضا : تحلية المياه في الجزائر: دعاية سياسية مضخمة وأزمة عطش متواصلة
ومع إعلان الإقالة، لم تخلُ ردود فعل الجزائريين من حدة، فبينما رأى البعض فيها خطوة ضرورية في حق كل مسؤول يقصر في أداء مهمته، شدد آخرون على أن «تغيير الوجوه» دون محاسبة حقيقية عن تبديد المليارات في مشاريع معطلة يبقى إجراء شكليا.
ولا يزال سكان الولايات المتضررة يحررون النداءات والملتمسات الإلكترونية ويوجهونها إلى «السلطات العليا» في البلاد، مؤكدين أن رحيل الوزير لم يغير من واقع جفاف الصنابير شيئا حتى الآن.
تعديل حكومي «أعرج»
تجلت مظاهر ارتباك النظام بشكل أوضح في اليوم الموالي للإقالة (9 أبريل)، حين أجرى الرئيس تبون تعديلا وزاريا جزئيا لم يتضمن تعيين خلف لدربال، رغم حساسية قطاع الري وارتباطه بالأمن القومي والاجتماعي.
وركز التعديل بدلا من ذلك على ترقية محمد عرقاب وزيرا للدولة مكلفا بالمحروقات وفصل قطاع المناجم، في إشارة واضحة إلى تقديم هواجس الريع الطاقي على الخدمات الاجتماعية الأساسية.
ويكشف هذا «المقعد الشاغر» في حقيبة الري عن مأزق النظام في إيجاد «بروفايل» تقني قادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الانتخابات التشريعية المقررة في يوليو المقبل.
ويرى كثير من المتتبعين للشأن الجزائري أن «النظام» يفضل حاليا إبقاء القطاع تحت إدارة «النيابة» لتفادي حرق وجوه جديدة في أتون أزمات مشابهة لتلك التي شهدتها ولاية تيارت صيف 2024، في انتظار ترتيبات سياسية قد تأتي أو لا تأتي، بينما يظل المواطن الجزائري رهينة وعود «التحلية» التي تتبخر عند أول اختبار على أرض الواقع.
