انفجرت شرارة الأحداث فور تسجيل فريق جمعية وهران هدفه الثاني ضمن الجولة 26 من بطولة القسم الثاني.
ولم ينتظر الأنصار صافرة النهاية ليعلنوا تمردهم، بل تحول الملعب الحديث إلى ساحة مواجهة مفتوحة؛ رشق خلالها المشجعون الميدان بالحجارة والقارورات واقتلعوا مئات الكراسي.
هذا المشهد السريالي يعكس الهشاشة البنيوية لمنظومة تعجز عن تأمين لقاء محلي محدود، وتطمح في الوقت ذاته لمنافسة القوى القارية على استضافة التظاهرات الكروية الكبرى.
عقيدة التعتيم الإعلامي عن الواقع
مع تصاعد أدخنة الشغب وتطاير أشلاء الكراسي، اختارت الماكينة الإعلامية التابعة للنظام نهج «الهروب إلى الأمام» عبر ممارسة صمت مطبق.
إقرأ أيضا : انهيار مدرج في ملعب بالجزائر يحوّل «عرسا» كرويا إلى «مأثم»: وفاة مشجع وإصابة آخرين
هذا التجاهل المتعمد ليس سقطة مهنية فحسب، بل هو عقيدة تتقن تلميع الواجهات المهترئة وحجب الحقائق التي تخدش صورة «الجزائر القوية» المزعومة أمام «إنفانتينو».
إن القنوات التي تخصص ساعات لبث الأوهام والمزاعم حول الجيران، وجدت نفسها عاجزة عن نقل مشهد الانفلات الأمني، مما يؤكد أن الإعلام هناك ليس سوى «صدى للثكنة» مهمته تجميل القبح وتغييب وعي المواطن.
رسائل الخراب موجهة إلى قصر المرادية
وضع الإعلامي الجزائري المعارض وليد كبير الأصبع على الجرح حين أكد أن الجزائر تدفع ثمن أخطاء نظام كرس ثقافة التمرد، معتبرا ما حدث «بداية والقادم أسوأ»، معتبرا أن العنف الذي يمارسه النظام على شعبه، وسياسته القائمة على التجييش، ارتدت عليه في المدرجات.
وبرأي وليد كبير فإن الشاب الذي يواجه هراوات الأمن في المدرج، هو ذاته الذي يرزح تحت وطأة نظام عسكري استولى على الشرعية ومقدرات البلاد، ولم يقدم للشباب سوى الملاعب كـ«علب سردين» لإفراغ الغضب، قبل أن يكتشف النظام أن الغضب حين يفيض، لا يميز بين عشب أخضر وإسمنت بارد.
حصاد ثقافة التجييش وشيطنة الآخر
يضع هذا الفشل الذريع النظام الجزائري في موقف حرج، ويسائل جدوى المراهنة على المنشآت العمرانية دون استثمار في «الاحترافية التنظيمية».
يكمن الخلل في قمة الهرم الذي كرس، عبر أبواقه الإعلامية، ثقافة «رفض الهزيمة» وشيطنة الجار، فبدلا من زرع الروح الرياضية، انشغل المسؤولون لشهور بمهاجمة المغرب ومؤسسات الكاف، ليحصدوا اليوم ثمار «البلطجة» التي صفقوا لها سابقا في المحافل الإفريقية.
سقوط وعود الجزائر الجديدة
بين هراوات الأمن وتطاير الكراسي، سقطت ورقة التوت عن وعود «الجزائر الجديدة». الملاعب لا تبنى بالبلاستيك فقط، بل بالاستقرار النفسي والاحترافية، وهو ما يفتقده نظام يستمد شرعيته من «لغة الثكنة» التي لا تتقن سوى إنتاج الخراب وتصدير الفوضى.
لقد أثبتت أحداث ملعب الكاليتوس أن الملاعب لا تبنى بالإسمنت والبلاستيك وحدهما، بل بالاستقرار النفسي والاحترافية التنظيمية التي تفتقدها «عقلية الثكنة» العاجزة عن إدارة مباراة في قسم الهواة.
إن ما حدث لم يكن مجرد شغب ملاعب، بل يكشف عن سخط اجتماعي وجد في فوضى المدرجات ثغرة لتحدي السلطة التي صادرت أحلامه؛ لتظل تلك الكراسي المحطمة رسائل مشفرة، مكتوبة بلغة الخراب، وموجهة إلى قصر المرادية قبل أن تكون موجهة إلى الرابطة الكروية.
ففي دولة تدار بالتعليمات العسكرية، يصبح العنف هو العملة الوحيدة المتداولة بين الحاكم والمحكوم، والواقع أن العشب الأخضر لا يمكنه أبدا حجب سواد القمع.
