بين كبرياء النظام وضغوط «الفيفا»: لماذا ستضطر الجزائر للإفراج عن كريستوف غليز؟

القضاء الجزائري حكم على الصحفي الفرنسي كريستوف غليز بالسجن سبع سنوات بتهمة تمجيد الإرهاب

في 15/01/2026 على الساعة 12:15

من خلال الإبقاء التعسفي على احتجاز الصحفي الرياضي كريستوف غليز مع اقتراب كأس العالم، يغامر النظام الجزائري بالكثير. إن التدخل المباشر للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والتهديد الجدي باستبعاد المنتخب الوطني من المونديال يضعان الجزائر العاصمة أمام خيار قاس: الاستمرار في استعراض قوة محكوم عليه بالفشل، أو الرضوخ للضغط الدولي. وأمام الصفعة القاسية المرتقبة، يدرك النظام بالفعل أنه مضطر للانصياع.

مع اقتراب كأس العالم، تغيرت طبيعة قضية كريستوف غليز؛ فلم تعد مجرد رمز لانحراف استبدادي آخر للنظام الجزائري، بل أصبحت ملفا متفجرا تتقاطع فيه العدالة المُسيسة، والضغوط الدولية، والمصالح الرياضية (والسياسية) الكبرى. والواقعة الأبرز، والأكثر ثقلا بالتبعات على الجزائر بلا شك، هي التدخل المباشر والواضح من قبل «فيفا».

إن حضور كيفن لامور، الرجل الثالث في الهيئة العالمية، يوم 3 دجنبر 2025 بتيزي وزو خلال محاكمة الاستئناف للصحفي الفرنسي، يشكل إشارة نادرة جدا في تاريخ العلاقات بين الفيفا والدول. فليس من عادة المنظمة الدولية لكرة القدم الظهور في قاعات المحاكم، ولا التدخل علنا في القضايا القضائية، وحين تفعل ذلك، فهذا يعني أن الرهان يتجاوز بكثير الحالة الفردية ليمس عالم الرياضة بأكمله، وكرة القدم على وجه الخصوص.

لم يكن هذا الحضور مجرد التفاتة تعاطف أو زيارة بروتوكولية، بل فُسر -وبحق- كدليل على أن الفيفا تتابع هذا الملف عن كثب وأنها انخرطت في نقاشات موازية مع السلطات الجزائرية، لا سيما مع الاتحاد الجزائري لكرة القدم ووزارة الرياضة. هذه المبادلات، التي بدأت منذ الصيف، سمحت بالحصول على تأشيرات وحقوق زيارة لعائلة المعتقل، لكن مداها يتجاوز بكثير هذه الجوانب الإنسانية.

وكما أكد محامي كريستوف غليز، إيمانويل داود، فإن «الدور الذي يمكن أن تلعبه الفيفا أساسي ». فالفيفا تدرك أن كأس العالم واجهة عالمية، وحدث يصبح فيه كل منتخب وطني سفيرا -طوعا أو كرها- للنظام الذي يمثله. كما تدرك أن صورة كرة القدم العالمية ستتضرر بشكل دائم إذا ظل صحفي رياضي معروف يرزح في السجن بينما تُجرى المباريات تحت أنظار مليارات المشاهدين.

وصرح المحامي عبر قناة TV5 Monde قائلا: « كيف نتخيل أنه في شهر يونيو، خلال المباراة الأولى في كأس العالم بين الجزائر والأرجنتين، وأمام مليارات المشاهدين، يطأ المنتخب الجزائري أرض الملعب بينما يوجد صحفي رياضي في السجون الجزائرية؟ هذا أمر غير معقول! ».

مثل هذا الوضع سيكون غير قابل للاستمرار سياسيا، ومتفجرا رياضيا، ومدّمرا إعلاميا.

الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند، الذي راسل السلطات الجزائرية بنفسه دون تلقي رد، لخص الأمر -حسبما نقلت صحيفة «لوموند»- برصانة وحزم، معبرا عن قناعته بأن وساطة الهيئات الكروية قد تؤدي إلى نتائج. وبالنسبة له، «كلما اقترب الموعد النهائي، زاد تعقيد الوضع بالنسبة للجزائر». وبعبارة أخرى، فإن التقويم الزمني يعمل ضد السلطة الجزائرية، وكل يوم يمر يزيد من تكلفة التعنت.

ويزداد هذا الخطر جدية لأن الجزائر ليست في مأمن من العقوبات. النظام يعلم ذلك. فالفيفا تملك أدوات ضغط كبيرة، وإقصاء منتخب وطني، ولو بشكل مؤقت، سيكون ضربة قاسية لسلطة توظف كرة القدم كأداة للتلاحم، وللفخر الوطني، ولإضفاء الشرعية السياسية. وفي بلد تعتبر فيه «الساحرة المستديرة» إحدى اللغات القليلة المشتركة بين كل فئات الشعب، فإن حرمان المنتخب الوطني من المشاركة في كأس العالم سيعني إلحاق إهانة جماعية لن يتحمل مسؤوليتها سوى النظام نفسه.

ولهذا السبب تحديدا، يبدو احتجاز كريستوف غليز اليوم خطأ استراتيجيا جسيما. فمن حيث المضمون، يعتبر الحكم جائرا للغاية ويستند إلى تهم يتضح طابعها العبثي للعيان. فمنذ اعتقاله في ماي 2024، حُكم على الصحفي بالسجن سبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب» و«حيازة منشورات تهدف للدعاية». ومع ذلك، لا يوجد أي فعل مادي، ولا تصريح علني، ولا كتابة تدعم هذه الاتهامات. الجريمة الوحيدة التي ارتكبها الصحفي هي إعداد تحقيق حول شبيبة القبائل (JSK) وإجراء مقابلات مع مسؤولي الفريق.

وقد ذكّر علي بن سعد، الجغرافي والأستاذ الجامعي في المعهد الفرنسي للجيوسياسة بجامعة باريس 8، في مقال نُشر في «لوموند» يوم 14 يناير، بأن النظام الجزائري لم ينجح في إثبات أي أفعال أو أقوال معادية من طرف كريستوف غليز، بل جعل منه « رهينة ظرفية »، ليس للعلاقة الفرنسية الجزائرية، بل لرهاناته السياسية الداخلية الخاصة.

ويرى الباحث أن اعتقال الصحفي استجاب قبل كل شيء لمنطق «الإخراج الأمني»، وكان يهدف لإعطاء مصداقية للتهديد المفترض لـ«حركة تقرير مصير القبائل» (MAK) لجعلها «فزاعة ملائمة». ومن خلال الخلط الفج بين صحفي رياضي ومشروع إرهابي وهمي، سعت السلطة لتقديم صورة مشوهة ونزع المصداقية عن الحركات الاحتجاجية في منطقة القبائل. فكريستوف غليز مسجون تعسفيا اليوم لما يمثله في الرواية التي يريد النظام فرضها، وليس لما فعله.

وأمام هذا الظلم، لم تتوقف التعبئة الدولية عن الاتساع وهي تتصاعد تدريجيا، متجاوزة دوائر الناشطين التقليديين المدافعين عن حرية الصحافة. فقد تبنى القضية مثقفون ومسؤولون سياسيون، وأيضا فاعلون في عالم كرة القدم.

كما نقلت لوموند عن شقيق الصحافي، ماكسيم غليز، قوله بوضوح لافت إن كرة القدم تملك قوة كونية وقدرة فريدة على لمس قلوب الجزائريين. حيث تفشل الخطابات الدبلوماسية، يمكن للرياضة أن تنجح. هذا الوعي يفسر لماذا أصبحت قضية غليز موضوعا حساسا حتى داخل الهيئات الرياضية الدولية.

بالنسبة للنظام الجزائري، الخطر مزدوج: فمن الخارج، هو معرض لضغط متزايد، إعلامي ومؤسساتي، أصبحت فيه الفيفا طرفا مركزيا. ومن الداخل، عليه التعامل مع تناقضاته الخاصة. وكما يحلل علي بن سعد، فإن إطلاق سراح كريستوف غليز يجب أن يتم التفاوض عليه ليس فقط دوليا، بل أساسا داخليا، مع أطراف محافظة يزداد نفوذها ومع رأي عام تحاول السلطة كسبه.

بيد أن النظام يخاطر بالوقوع في الأخطاء نفسها: الضرب بقوة... للتمهيد، مباشرة بعد ذلك، لتنازلات حتمية.

والسيناريو الذي يرتسم يشبه بشكل غريب ما حدث مع بوعلام صنصال: اعتقال استعراضي، وموقف حازم، ثم تراجع تحت الضغط الدولي، بثمن إهانة إضافية لنظام يدعي أنه لا ينحني أبدا. تدرك السلطة الجزائرية أنها ستنتهي بالانصياع، وتعرف أنها لا تستطيع تحمل دخول كأس العالم تحت الأضواء مع صحفي رياضي محتجز ظلما، وبدرجة أقل المخاطرة الفعلية بالاستبعاد. لكن، ووفاء لمنهج أصبح عرضا من أعراض إخفاقاته، يظهر النظام قسوة شديدة من خلال مضاعفة الإعلانات والقرارات الجائرة، قبل أن « يتراجع » مرة أخرى، مرغما ومجبرا. سيتم إطلاق سراح كريستوف غليز من قبل نظام الجزائر قبل شهر يونيو من هذا العام، ويبقى فقط السؤال: أي حيلة سيقدمها هذه المرة لرأيه العام لتخفيف وطأة هذا الخطأ الجديد لنظام غير عقلاني؟

وهكذا تكشف قضية كريستوف غليز عن ثابتة في سلوك النظام الجزائري: الرغبة في الحكم عبر التخويف وإخراج مشاهد القمع، يليها تراجع متأخر وصبياني. غير أن الرهان هذه المرة عالمي. وعلى المسرح الكوني لكرة القدم، لا تملك الجزائر أي هامش للمناورة.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 15/01/2026 على الساعة 12:15