وفي هذه الحلقة من برنامجكم الرمضاني «ذاكرة درب»، نغوص لاكتشاف طابعها السحري والحديث عن أهم المعالم الأثرية القديمة والتي تُضمر تاريخاً طويلاً، مع الدكتور عبد الرحمان مالولي، أحد أبناء المدينة القديمة، للحديث عن مدينة متفردة، طبعت بخصوصيّتها التاريخية، وظلت محتفظة بموقع القلب النابض للحياة السياسية والثقافية للمغرب.
فعلى خلاف جل الفضاءات التاريخية المشابهة التي تحولت إلى شواهد معزولة عن الحركة السكانية في مختلف أنحاء العالم، تكاد تنفرد فاس البالي بصفتها المدينة العتيقة التي ما زالت تنبض بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في أزقة أحيائها وبيوتها وورشات حرفييها، وأمام أبوابها وأسوارها، تتحقق استمرارية مسلسل تاريخي وحضاري لأزيد من 12 قرنا.
ولطالما افتخر المغاربة بالخصوصية الروحية الفريدة لفاس، المتمثلة في كونها متحفا حيا عبر القرون، تزخر بعشرات المساجد والمدارس العتيقة، فضلا عن 9 آلاف مبنى تاريخي، منها 11 مدرسة دينية، و83 ضريحا، و176 مسجدا، التي جعلتها مركزا علميا مزدهرا تطورت في حضنه مختلف العلوم الفقهية والفكرية والطبيعية وغيرها.
ولعل من بين أهم البنايات التاريخية، نجد ضريح المؤسس الفعلي لمدينة فاس، مولاي إدريس الثاني، الذي يعد من أهم المزارات الدينية ومركزا روحيا يقصده الزوار من مختلف أنحاء المغرب، ونجد جامعة القرويين التي شيدتها فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني عام 859م، التي تواصل إشعاعها الى منتصف القرن العشرين، قبل أن ينحسر الاهتمام بنظام التعليم العتيق بتشييد المؤسسات التعليمية الحديثة منذ دخول الاستعمار الفرنسي, وقد ضمت قائمة الأسماء التي عبرت ذاكرة هذه المؤسسة الدينية والتعليمية التي تعتبر أقدم جامعة في العالم، فلاسفة وعلماء كبارا من حجم ابن زهر وابن البناء وابن ميمون وابن باجة وابن خلدون وابن عربي ولسان الدين ابن الخطيب الذي ما زال البيت الذي أقام فيه شاهدا على العصر الذهبي للحضارة.
وحول القرويين، زخرت المدينة العتيقة، خصوصا في عهد المرينيين (القرن الرابع عشر)، بعدد من المدارس التقليدية التي تعكس اليوم العبقرية العمرانية لحرفيي المدينة، من أهمها المدرسة المصباحية والمدرسة البوعنانية وقبلهما مدرسة الصفارين التي يعود تأسيسها إلى عهد أبو يوسف المريني عام 1280، وكانت هذه المدارس بمثابة مؤسسات تأهيلية تسمح للطالب بالانتقال إلى دراسات عليا بجامعة القرويين، أما مدرسة العطارين، فتعد نموذجا فريدا للمدارس العلمية العريقة في المغرب، بنيت على يد السلطان أبو سعيد عثمان المريني عام 1325م، و تمتاز هذه المدرسة بنقوشها الخشبية الرائعة وزخارفها الجبسية والبلاط الزليجي الفاخر.
وتضم فاس البالي وسطها أكثر من 10 آلاف زقاق، مما يجعلها واحدة من أكبر فضاءات التجوال مشياً على الأقدام في العالم، كما تحتضن المدينة أزيد من 1200 ورشة للصناعة التقليدية، فضلا عن القصور الفسيحة والبازارات الواسعة، والحوانيت الصغيرة التي تعرض منتجات الخياطة والفخار والنسيج أو التحف المعدنية.
مرحبا بكم في فضاء التعليق
نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.
اقرأ ميثاقنا