رصدت كاميرا Le360 خلال جولة ميدانية بعدد من محلات الجزارة بالطالعة الكبرى وسوق بنسودة وبعض المحلات الكبرى بمدينة فاس، تفاوت أسعار اللحوم بحسب النوع والجودة، كما وقفت على تراجع الكميات التي يقبل المواطنون على اقتنائها، في وقت يؤكد فيه مهنيون أن ارتفاع الأسعار لم ينعكس بالضرورة على هامش أرباحهم، بقدر ما زاد من صعوبة تصريف اللحوم.
يقول توفيق الدحيوي إن الأسعار الحالية تعكس بالأساس حجم الخصاص الذي يعرفه القطيع الوطني، موضحا في تصريح لـLe360 أن ثمن الكيلوغرام من لحم البقر يبلغ حاليا 110 دراهم، فيما وصل ثمن اللحم المفروم إلى 120/ 130درهما، بينما يبلغ سعر « الفيليه » 160 درهما، وتتراوح أسعار لحم الغنم بين 160 درهما بالنسبة إلى الجودة العالية، و170 إلى 180 درهما بالنسبة إلى «الكوطليط» و«الجيغو».
ولا يقتصر أثر هذا الارتفاع على المستهلك، إذ يضع الجزار بدوره أمام معادلة صعبة، يوضحها الدحيوي من خلال كلفة اقتناء الماشية، مستحضرا أن خروفا بوزن 25 كيلوغراما قد يكلف نحو 2600 درهم قبل أن يدخل مرحلة البيع، وهي كلفة يصعب استرجاعها في أحياء تعرف قدرة شرائية محدودة، حيث لا يزال بعض المواطنين يقصدون محلات الجزارة لاقتناء عشرة دراهم فقط من اللحم المفروم.
ويؤكد المهني أن الجزار يجد نفسه بذلك « بين المطرقة والسندان »، فرفع الأسعار إلى المستوى الذي تفرضه كلفة التزود يؤدي إلى تراجع الإقبال، بينما خفضها يعني تحمل جزء من الكلفة من هامش الربح، وهو ما انعكس بحسب المتحدث على حجم المبيعات، بعدما انتقل نشاط محله من بيع ما يعادل عجل كامل في اليوم إلى نحو 40 كيلوغراما فقط.
وإذا كان ارتفاع الأسعار قد دفع المستهلك إلى تقليص الكميات التي يقتنيها، فإن المشهد نفسه يتكرر في سوق بنسودة، حيث يقول هشام بن عبد الله، جزار بالمنطقة، إن الزبون الذي كان يقتني ثلاث كيلوغرامات من اللحم أصبح يكتفي بكيلوغرام واحد، في مؤشر على تغير واضح في سلوك الاستهلاك تحت ضغط الأسعار.
ويضع هذا الوضع مسألة القطيع الوطني في قلب النقاش، إذ يرى الدحيوي أن الأزمة الحالية ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكمات مرتبطة بطريقة تدبير القطاع خلال سنوات مضت، مذكرا بأن أسعار اللحوم كانت في فترات سابقة تدور في حدود 60 إلى 70 درهما للكيلوغرام، قبل أن تقفز إلى المستويات المسجلة حاليا، وهو ما يعتبره ثمنا ثقيلا على المواطن.
وفي ما يتعلق بالاستيراد، يرى الدحيوي أن دخول اللحوم إلى السوق لم يحقق إلى حدود الآن، الأثر الذي كان منتظرا منه، مرجعا ذلك جزئيا إلى موقف المستهلك المغربي من اللحوم المستوردة سواء من البرازيل أو الأوروغواي أو إسبانيا، إذ يقول إن شريحة من المواطنين أخذت منذ اليوم الأول فكرة مسبقة عنها، واعتبرت أنها لا ترقى إلى جودة المنتوج المحلي، وهو ما انعكس على مستوى الإقبال عليها.
ويؤكد المهني أن جودة اللحوم المستوردة ليست واحدة وتختلف بحسب المصدر والمنتوج، غير أن ثقة المستهلك في القطيع الوطني وجودة لحومه ظلت بحسبه، عاملا مؤثرا في اختيارات الزبائن، مضيفا أن ضعف الإقبال على المستورد جعل أثره على السوق محدودا، مع إمكانية أن يتغير هذا الوضع مع استمرار الأزمة وارتفاع الأسعار، إذا اضطر المستهلك إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.
ولا يرى المهني أن معالجة الوضع يمكن أن تتم بإجراءات ظرفية، بل يدعو إلى وضع استراتيجية وطنية تعيد تنظيم القطاع من بدايته، بدءا من المربي وتوفير شروط التربية والأعلاف، مرورا بمختلف مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع، وصولا إلى محلات الجزارة والمستهلك، مع تقنين أفضل لهذه السلسلة بما يسمح بتتبع الكلفة والأسعار في مختلف مراحلها.
أما بشأن مستقبل الأسعار، فيرى هشام بن عبد الله أن بقاءها عند مستويات مرتفعة يظل واردا ما لم يتم اعتماد خطة وطنية فعالة لحماية القطاع وإعادة بناء العرض المحلي، وهو ما يجعل انخفاض الأسعار مرتبطا بقدرة السوق على استعادة توازنها، وليس فقط بإجراءات تستهدف الحلقة الأخيرة من سلسلة البيع.
وبين استمرار الخصاص في القطيع الوطني، وتراجع حجم الاستهلاك، ومحدودية أثر الاستيراد على حركة البيع، يبدو أن عودة اللحوم الحمراء إلى مستوياتها السابقة لن تكون مسألة سريعة، إذ يظل انخفاض الأسعار رهينا بعودة العرض إلى مستواه الطبيعي واستعادة القطيع الوطني لعافيته.
