بنعتيق: ديون جائحة كورونا ستؤثر بشكل كبير على اقتصادات الدول مستقبلا

Le360

في 12/05/2020 على الساعة 15:31

كشف السياسي والباحث المغربي عبد الكريم بنعتيق، عن خارطة الطريق التي ستنهجها دول العالم ومن ضمنها المغرب، من أجل التخلص من آثار جائحة كورونا وتسديد الديون المتعلقة بتداعيات هذه الأزمة من طرف الحكومات.

وذكرالوزير السابق في مقال تحليلي أن "أحدا لم يكن يتوقع هذه الكارثة الصحية، إذ أن كل الخيارات الإقتصادية والمالية كانت قبل الأزمة مبنية على توازنات مدروسة ومبرمجة بآليات متحكم فيها، وأن المفاجأة كانت صادمة لكل صناع القرارات الإقتصادية عالميا، حيث اضطروا إلى تغيير كل الإستراتيجيات المتبعة بوضع خيارات جديدة هدفها محاربة هذه الآفة الصحية، وذلك بتعبئة كل الطاقات و الموارد مع استحضار التفكير في أجوبة قادرة بعد الأزمة الصحية، على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية عن طريق تحصينها قصد الخروج من الأزمة بأقل الأضرار.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذه التداعيات السلبية للجائحة جعلت الدول تطرح إشكالية البحث عن حلول لمواجهة تراكم المديونية، وذلك من خلال البحث عن خيارات ممكنة، إما بالرفع من نسبة التضخم أو بنهج مقاربة الرفع من الضرائب خوفا من الإخلال بالتوازنات الكبرى.

-المغرب وتجاوز سقف المديونية

وبالنسبة للمغرب، أوضح بنعتيق أن هناك الموافقة على قانون 20.26 المصادق عليه من قبل البرلمان، أخيرا، و القاضي بتجاوز سقف 31 مليار درهم مديونية منصوصا عليها في قانون المالية الجاري به العمل إلى حدود تقديم قانون مالية تعديلي، حيث أن وزير المالية اعتبر أنه من الصعب تحديد مبلغ المتطلبات المالية مادام أنه من السابق لأوانه معرفة أضرار الاقتصاد المغربي الناجمة عن أزمة كورونا، مع تقديم طمأنة لنواب الأمة مفادها أن المصداقية المالية للمغرب في وضعية مقبولة، مادام أن الدين الخارجي لا يتعدى %20 من ديون الخزينة العامة.

وحسب الباحث فإن اللجوء إلى القروض الخارجية شيء لا مفر منه، فتراجع الطلب الموجه للمغرب أدى إلى انخفاض الصادرات ب % 80 في أبريل، كما أن السياحة والنقل الجوي في توقف تام مع انخفاض في تحويلات مغاربة العالم بـ%10، حيث أن تقرير البنك الدولي الصادر في 22 أبريل الماضي، أكد أن تحويلات المهاجرين نحو بلدانهم الأصلية ستنخفض ب% 19.7 خلال 2020، لذلك وحسب وزير المالية تأجيل دفع مستحقات الديون والتفاوض عن جدولة أخرى قد يؤثران على المصداقية المالية للمغرب لدى المؤسسات المانحة، ليبقى الحل الوحيد حسب أطروحة وزارة المالية هو الاقتراض لتسديد الالتزامات المبرمجة مع ضرورة الاحتفاظ على الاحتياطي من العملة الصعبة، نظرا لدوره السيادي على مستوى التعاطي مع الأسواق الخارجية.

-تكلفة باهضة اقتصاديا تنتظر الدول بعد رفع الحجر الصحي

وحول الكلفة القتصادية لما بعد رفع الحجر الصحي، لفت بنعتيق إلى أنه يجب التأكيد على أن الانعكاسات السلبية لهذه الأزمة لم تكن واردة في أذهان المتتبعين أو الممارسين للشأن الاقتصادي، فاعتماد المرجعيات التاريخية الشبيهة بهذه النازلة قصد المقارنة، تمرين غير صحيح، فالأزمة الصحية المعروفة بالحمى الإسبانية لسنة 1918، أو مخلفات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تختلف عن السياق الحالي، ذلك أن التداعيات المالية و الاجتماعية لما بعد الحجر الصحي المتمثلة في برامج إنقاذ اقتصاديات الدول من الانهيار الكلي، ستؤثر سلبا على التوازنات المعتمدة، إذ أننا أمام أزمة صحية أدت إلى أزمة مالية و اقتصادية و بعدها أزمة طاقية، لذلك فالسؤال الجوهري الحاضر بقوة عند الجميع، هو كيفية توفير شروط انطلاقة اقتصادية جديدة حماية للمكتسبات.

وأضاف، هناك من يرى ضرورة الرفع من ساعات العمل، لاسيما في القطاعات ذات التأثير المباشر على الأسواق، في المقابل هناك قطاعات أخرى قد تعرف بطالة كبيرة كتلك التي ضربت فرنسا بعد الأزمة المالية ل 2008، حيث ارتفعت آنذاك نسبة البطالة إلى %9.5، أما مؤشرات هذه السنة بعد رفع الحجر الصحي، 1.4 مليون وظيفة مهددة في فرنسا بالتوقف النهائي، جلهم ينتمون لقطاع السياحة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية 20 مليون طلب شغل فقط في شهر أبريل مع نسبة بطالة تعدت % 20، في حين أنها لم تكن تتجاوز % 3.5 في فبراير، كما أن المكتب الدولي للشغل بجنيف بدوره يتوقع فقدان 2.5 مليار مستخدم لوظائفهم، جلهم في الدول الفقيرة.

-مطالب بتأجيل أو إلغاء ديون الدول النامية

وأوضح بنعتيق أنه في ظل هذه الصورة القاتمة، ارتفعت أصوات، تطالب بعدم إدماج قروض كورونا ضمن الديون العمومية للدول الدائنة، مادام أن كل المجهوات الاستثنائية كانت موجهة لوقف الانهيار الاقتصادي بدعم المقاولات والشرائح المتضررة.

فيما نادت أصوات أخرى تأجيل أو إلغاء استحقاقات الدول النامية، حيث أن مجموعة الدول 20 اتخذت قرارا في 15 أبريل الماضي، أي في عز الأزمة الصحية الحالية، أكدت فيه أن الالتزام بتسديد الديون لا يجب أن يتم على حساب الإجراء ات الاستعجالية المتخذة في الدول السائرة في طريق النمو، مع تأجيل استحقاقات ديون الدول ذات المداخيل المتدنية إلى حدود نهاية 2020.

في المقابل، هناك من يعارض فكرة إلغاء الديون و يأخذ كمثال القارة الإفريقية، التي قد تعاني دول عديدة من داخلها من هذه المبادرة، خوفا من فقدان مصداقيتها اتجاه المؤسسات المكلفة بالتنقيط، بالإضافة إلى أن قراءة سريعة في الوضعية الاقتصادية لدول القارة، نجد أن مجموع ديونها سواء ذات الطابع الثنائي أو المتعدد الأطراف، تصل إلى 390 مليار دولار و أن داخل 55 دولة إفريقية، أقلية هي التي تعاني مديونية غير متحكم فيها، فحاجيات إعادة تمويل الديون الإفريقية خلال 2020 تتطلب 44 مليار دولار، في حين أن طلباتها من الاقتراض الخارجي لن تتعدى هذه السنة 100 مليار دولار، إذن أزمة كورونا على العموم وجدت اقتصاديات جل الدول الإفريقية متعافية ماليا.

-السيناريوهات الممكنة اقتصاديا للخروج من أزمة كورونا

واختتم بنعتيق مقاله التحليلي، بأن "القيام بهذه القراءة السريعة لرصد النقاشات حول المخارج الممكنة اقتصاديا بعد أزمة كورونا، تبرز مدى انشغال العالم بالتفكير في تدبير صعوبات ما بعد الوباء، فالوضع الدولي يتسم بسيطرة الغموض والشك من جهة وبالصراع الأمريكي الصيني من جهة أخرى، هذا في ظل غياب تام لمؤسسات الحكامة الكونية القادرة على إحداث جسور التفاهم عن طريق الحكمة و التبصر، لإيجاد الحلول الممكنة عوض التشنج و زرع الفتنة". وأشار في السياق ذاته إلى أن المؤسسات المانحة بدورها ستتعرض لاختبار صعب، مطالبة بتجاوز دور المواكبة المالية المحضة إلى توفير شروط لتفاعل حقيقي مع مرحلة تحتاج إلى هندسة مغايرة، تأخذ بعين الاعتبار حاجة المجتمعات إلى سياسات عمومية تحمي الإنسان وتمنحه الإمكانيات لمجابهة المخاطر، بعيدا عن عقلية البحث عن المردودية السريعة على حساب قيم التضامن.

وحسب بنعتيق، فإن فرصة ما بعد كوفيد19 قد تكون مناسبة لهذا التحول العميق في تدبير الشأن الاقتصادي كونيا، و نقطة البداية هنا هي اعتبار ديون مخلفات الأزمة الصحية، ديونا خارج خانة الديون العمومية من قبل كل الجهات المانحة، تجنبا لإثقال الحكومات بأعباء مالية قد تؤدي إلى انعكاسات سياسية و اجتماعية وخيمة.

تحرير من طرف جواد
في 12/05/2020 على الساعة 15:31