بين القوانين والتوعية.. كيف يحمي المغرب رصيده الجيولوجي من الاستنزاف؟

مستحاثات نادرة  يعود تاريخها إلى ما بين 66 و72 مليون سنة

مستحاثات نادرة يعود تاريخها إلى ما بين 66 و72 مليون سنة

في 29/07/2026 على الساعة 12:00

أعاد استرجاع المغرب لتسع مستحاثات نادرة من فرنسا، يعود تاريخها إلى ما بين 66 و72 مليون سنة، تسليط الضوء مجددا على ظاهرة تهريب هذا النوع من التراث إلى الخارج، وما يترتب عنها من خسائر علمية وتاريخية للمغرب. وبين القيمة العلمية لهذه القطع، وأسباب استهداف المستحاثات المغربية من طرف شبكات التنقيب غير المشروع والاتجار بها، تبرز أسئلة حول حجم الظاهرة وسبل التصدي لها، ومدى نجاعة الآليات القانونية والرقابية المعتمدة لحماية هذا الرصيد الجيولوجي.

وللوقوف عند مختلف جوانب هذه القضية، تحدث عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، في تصريح لـLe360 عن أهمية المستحاثات المسترجعة، ومخاطر استنزافها، ومآل القطع التي تعود إلى المغرب، بالإضافة إلى الإجراءات الكفيلة بالحد من تهريبها والحفاظ عليها.

وقال بوزوكار، إن المستحاثات المسترجعة أخيرا من فرنسا والتي تم تسليمها للمغرب خلال حفل رسمي تراسه محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل بالمغرب ورشيدة داتي وزيرة الثقافة الفرنسية، تتكون من مجموعة من الأسنان التي تنتمي إلى فصائل مختلفة من الحيوانات المنقرضة، بينها كائنات بحرية وديناصورات.

وأضاف: «القيمة العلمية لهذه القطع ترتبط بالأساس بطبيعة الكائنات التي تنتمي إليها وبالفترة الزمنية التي تعود إليها».

وأوضح المتحدث نفسه أن الدراسات المنجزة من طرف باحثين مغاربة وأجانب في عدد من المواقع المغربية تشير إلى ارتباطها، من بين مناطق أخرى، بالمنطقة المحيطة بخريبكة.

ويبرز العامل الزمني أهمية خاصة لهذه المستحاثات، حيث كشف بوزوكار أن عمر بعضها يتراوح بين 72 و66 مليون سنة، و الفترة الأخيرة تزامنت مع المرحلة التي انقرضت فيها الديناصورات، قائلا: «إن هذه الأسنان، التي تنتمي إلى فصائل مختلفة من الحيوانات المنقرضة، وتعود إلى فترة تتراوح بين 72 و66 مليون سنة، ستضيف معارف جديدة إلى ما هو معروف عن الحياة التي كانت موجودة في تلك الحقبة».

ولا تقتصر أهمية ما يعثر عليه الباحثون في المواقع المغربية على الأسنان، بحسب المتحدث نفسه، حيث يمكن أن تشمل الاكتشافات هياكل لكائنات بحرية أو ديناصورات، بالإضافة إلى آثار أقدام الديناصورات.

ويرى بوزوكار أن قيمة القطعة لا تقاس بحجمها أو بعدد القطع المسترجعة، وإنما بما يمكن أن تقدمه للبحث العلمي.

وأضاف: «قد تكون لدينا عظمة صغيرة لا يتجاوز طولها 20 سنتيمترا، لكنها قد تتيح للخبراء والعلماء إعادة تشكيل الحيوان بأكمله، ولذلك ينبغي ألا ننظر إلى حجم القطعة أو عددها، بل إلى أهميتها العلمية».

وفي مقابل القيمة العلمية لهذه المستحاثات، يبرز خطر استنزافها من خلال التنقيب غير المشروع والاتجار بها خارج المغرب.

ويشير مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إلى أن مناطق عدة تزخر بهذا النوع من التراث، مع تركيز خاص على الجنوب الشرقي وخريبكة، حيث يرتبط نشاط التنقيب والاتجار غير المشروع بوجود طلب يتجاوز الحدود الوطنية إلى سوق دولية.

وتابع المتحدث نفسه: «إن وجود هذا الاتجاه غير المشروع في الآثار والمستحاثات يعني أن هناك طلبا عليها، وهذا الطلب يتجاوز حدودنا، لأنه طلب دولي، ولذلك تنشط مجموعات في هذا المجال».

ويحذر بوزوكار من أن استمرار هذا الاستغلال دون ضوابط، لأنه قد يؤدي إلى استنزاف الرصيد الجيولوجي المغربي، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بمجرد قطع قابلة للبيع، وإنما بجزء من التاريخ الطبيعي للمغرب.

وأضاف: «في يوم من الأيام قد لا تجد تلك المجموعات المتاجرة في الآثار ما تصدره أو ما تتاجر به بهذه الطريقة، لأن هؤلاء الأشخاص يقومون باستنزاف هذا الرصيد».

وتابع: «إذا نفذت هذه المستحاثات، فإننا نضر بتاريخ بلادنا، وخاصة تاريخها الطبيعي، ونحرم المواطن المغربي والسائح من إمكانية اكتشاف كائنات فريدة ارتبطت بهذا المجال الجغرافي».

وفي ما يتعلق بمواجهة الظاهرة، يضع بوزوكار الإطار القانوني والتعاون الدولي ضمن الآليات الأساسية للتصدي للاتجار غير المشروع، مشيرا إلى وجود تشريعات وطنية، من بينها القانون القديم المتعلق بالآثار 22-80 والقانون الجديد 33-22، بالإضافة إلى أطر قانونية واتفاقيات بين الدول، وبفضل هذه الاخيرة استرجعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل العديد من المستحثات من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

ويشير بوزوكار إلى الدور الذي تضطلع به منظمة اليونسكو في هذا المجال، وإلى وجود نقطة ارتكاز ممثلة في مديرية التراث الثقافي تتولى تتبع ملفات الاسترجاع.

وبعد استرجاع القطع، يوضح بوزوكار أن المستحاثات أو اللقى التي تعاد إلى المغرب تدخل في سجل وتحصل على رقم جرد تتولاه مديرية التراث الثقافي، قبل أن تحدد وجهتها بحسب طبيعتها، فإما أن تنتقل إلى المؤسسة الوطنية للمتاحف، أو توجه إلى المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث لإخضاعها للدراسة العلمية عندما تكون في حاجة إلى خبرة متخصصة.

وأضاف: «إذا كانت القطع المسترجعة تتطلب دراسة علمية، كما هو الحال بالنسبة إلى المستحاثات التي أعيدت من فرنسا، فإنها ستأتي إلى المعهد، حيث سيقوم الباحثون المتخصصون بدراستها، وقد يتم أيضا نشر نتائج هذه الدراسات علميا حتى يستفيد منها الجميع».

غير أن بوزوكار لا يرى في القوانين والإجراءات الحدودية حلا منفردا للمشكلة، مؤكدا أن التصدي للتهريب يتطلب إشراك المجتمع في حماية هذا التراث، قائلا: «يمكن أن نضع أفضل القوانين الزجرية، وأن نعزز المراقبة في المعابر الحدودية، لكن ذلك لن يكون كافيا».

وأضاف: «ما نحتاج إليه أيضا هو التحسيس والتربية»، داعيا إلى التعريف بالمستحاثات واللقى المسترجعة وإبراز قيمتها أمام الجمهور، حتى يدرك الناس ما تمثله هذه القطع من أهمية علمية وتاريخية.

وتابع المتحدث نفسه أن التوعية يمكن أن تمر عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكن أن تجد لها مكانا داخل المناهج الدراسية، بما يساهم في تعريف الأجيال بالتراث المغربي بمختلف أشكاله.

وقال مدير مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث: «لا يمكنني أن أقول إننا سنصل إلى درجة الصفر في الاتجار غير المشروع، لكنني أؤكد أن التحسيس والتربية سيساهمان في الحد منه».

وشدد بوزوكار على أن حماية المستحاثات مسؤولية جماعية لا تتوقف عند الأجهزة المكلفة بالمراقبة، قائلا: «نحن بحاجة إلى تعاون الجميع وتضافر الجهود، فالقوانين وحدها لا تكفي».

ويرى المتحدث نفسه أن تسليط الضوء على عمليات استرجاع هذه القطع، حتى عندما يتعلق الأمر بمستحاثة واحدة أو جزء صغير منها، يساعد على تعريف الجمهور بقيمتها، ويبعث برسالة إلى من يتولى استخراجها وتهريبها مفادها أن هذه القطع ليست مجرد مواد قابلة للبيع، وإنما جزء من ذاكرة طبيعية لا يمكن تعويضها.

تحرير من طرف غنية دجبار
في 29/07/2026 على الساعة 12:00