سيبقى هذا الاتفاق أحد أكثر الأحداث دلالة على الانحرافات التي أصابت الدبلوماسية الجزائرية التي أصبحت قائمة على المقايضات، حيث يتفوق مصلحة طبقة معينة على أي اعتبار آخر، بما في ذلك «الفخر الوطني» الشهير.
وقد أبرم الاتفاق خلال زيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى بروكسل في 25 و26 مارس الماضيين. وينص الاتفاق على آلية تهدف إلى تسهيل الترحيل الجماعي للمهاجرين الجزائريين غير الشرعيين من بلجيكا إلى الجزائر مقابل... إعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية، أي جميع أعضاء النخبة الحاكمة، من تأشيرة الدخول.
خلف البيانات المهدئة التي تتحدث عن «شراكة معززة» وتعاون «مفيد للطرفين»، تبرز حقيقة صارخة: مقايضة صريحة بين استعادة متسارعة لآلاف المهاجرين غير النظاميين، ومنح تسهيلات تنقل لنخبة سياسية إدارية منتفخة الحجم. إعفاء من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة، مقابل تنفيذ قرارات الإبعاد على الطريقة السريعة.
في التفاصيل، يقوم جوهر هذا الاتفاق على آلية كانت ستُقرأ في ظروف أخرى على أنها استسلام. تلتزم الجزائر الآن بالتعرف على مواطنيها المقيمين بصفة غير نظامية في بلجيكا في غضون خمسة عشر يوما، في حين كانت الإجراءات تمتد في السابق لأشهر بل لسنوات. هذا الأجل يفتح الطريق أمام إصدار وثائق تنقل قنصلية سريعا، وهي وثائق لا غنى عنها لأي عملية ترحيل.
علاوة على ذلك، يتيح الاتفاق إجراء عمليات إعادة بصفة جماعية على رحلات مخصصة، بمشاركة مباشرة لمرافقين أمنيين جزائريين. هذا سابقة من نوعها، وهو مذل مرتين: عناصر جزائريون سيتولون بأنفسهم ترحيل مواطنيهم. «تعاون» يتناقض تناقضا جذريا مع الموقف المعتمد تجاه فرنسا، حيث تُتجاهل طلبات وثائق التنقل أو تُعرقل في سياق المناكفة الدبلوماسية.
في المقابل، منحت بلجيكا إعفاء من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة الجزائرية. رسميا، يُقدَّم هذا الإجراء باعتباره تيسيرا للتبادلات المؤسسية. في الواقع، يفتح هذا الإجراء أبواب منطقة شنغن أمام شريحة أوسع بكثير مما يوحي به المسمى الرسمي. ذلك أن جواز السفر الدبلوماسي في الجزائر ليس وثيقة نادرة محصورة في حفنة من الدبلوماسيين المعتمدين، بل يُوزَّع بسخاء يبلغ حد التضخم: كبار الموظفين، والإطارات العليا، والضباط، وأفراد الأجهزة الأمنية، والمستشارون من كل صنف، ناهيك عن عائلاتهم وخليلاتهم وعشيقاتهم.
يعني هذا أن عشرات الآلاف من المستفيدين المحتملين يحصلون بهذه الطريقة على حرية تنقل يعجز عن الحلم بها الغالبية الساحقة من المواطنين الجزائريين.
ليست دبلوماسية بالمفهوم الكلاسيكي، بل آلية لإعادة توزيع المكاسب داخليا، تتحول فيها الدولة إلى وسيط لخدمة شبكاتها الخاصة. يُختزل المهاجر غير النظامي في متغير قابل للتعديل، عملة تداول في مفاوضة لا يهم فيها مصيره بقدر ما تهم الامتيازات التي تجنيها « النومانكلاتورا » (كلمة روسية الأصل تشير إلى الطبقة الحاكمة من كبار المسؤولين والضباط والمقربين من دوائر القرار).
إقرأ أيضا : كيف أصبحت بلجيكا ركيزة أوروبية جديدة لدعم سيادة المغرب على صحرائه
وقد بدا أن حقيقة كون هؤلاء المهاجرين مواطنين جزائريين، وأن إعادتهم تندرج في الأصل ضمن قرار سيادي لا تنازل قابل للتفاوض، سقطت في مرتبة ثانوية.
الطريقة التي كشفت بها بلجيكا عن هذا الاتفاق تضيف بعدا جديدا إلى هذا المشهد غير المشرف أصلا. إذ لم تكتفِ السلطات البلجيكية ببيان دبلوماسي مبهم، بل فصّلت بنود الاتفاق بالأرقام. ذكرت آلاف المواطنين المعنيين بقرارات الإبعاد، أكثر من 2000 من أصل 30 ألف جزائري مسجل في بلجيكا، والآجال المفروضة حديثا على الجانب الجزائري، والآليات التشغيلية الجديدة لتسريع عمليات الترحيل.
بذلك رفعت الستار عن الطبيعة الحقيقية للتسوية، وحوّلت ما كان يمكن أن يظل ترتيبا صامتا إلى عرض علني للبراغماتية السياسية.
الأثر مدمر على صورة النظام الجزائري، الذي يبدو هنا مستعدا لتحويل التزاماته السيادية إلى بضاعة مقابل امتيازات مستهدفة، بل شخصية للغاية.
بالنسبة لأركان النظام الجزائري، ليست بلجيكا هي الهدف، بل فرنسا دائما، تلك التي لا يستطيعون الاستغناء عنها.
يختنقون في مكاتبهم بوسط الجزائر أو في نادي الصنوبر، ولا يطيقون الانفصال عن مرتكزاتهم منذ أن فرضت فرنسا تأشيرة حتى على حاملي جوازات السفر الدبلوماسية في غشت 2025.
في قلب الصيف، وما أبلغها من رمزية. بلجيكا ليست سوى مسلك التفافي صممه الجزائر للتحايل على القيود الفرنسية. عضوية بلجيكا في منطقة شنغن تجعلها حلا فعالا بامتياز. فور الدخول إلى الأراضي البلجيكية، يمكن الانتقال إلى فرنسا دون المرور بمراقبة حدودية منهجية، لا سيما عبر البر أو السكة الحديدية. الهدف ليس بروكسل إذن، بل باريس، وبشكل أوسع الفضاء الأوروبي بأكمله في متناول اليد.
هذا النهج ليس وليد اللحظة. سبق للجزائر أن انتزعت إعفاء من التأشيرة مع سلوفينيا، غير أن هذا الخيار أثبت محدوديته العملية. البعد الجغرافي وانعدام التواصل البري المباشر مع فرنسا يفرضان التنقل جوا، ما يعني خضوعا محتملا لرقابة في المطارات، حيث تحتفظ السلطات الفرنسية بصلاحية رفض الدخول. بلجيكا في المقابل تقدم قربا وانفتاحا يجعلانها بوابة دخول مثلى. هذا التباين يكشف الطابع الانتهازي والبراغماتي، بل الساخر، للمقاربة الجزائرية.
تتناقض هذه البراغماتية تناقضا صارخا مع الموقف الذي تتخذه الجزائر في علاقاتها مع باريس. على خلفية التوترات المرتبطة بمسألة الصحراء الغربية واعتراف فرنسا بالسيادة المغربية عليها، يتبنى الخطاب الرسمي الجزائري نبرة متشددة بل متعنتة.
بعد أن أوقفت الجزائر من جانب واحد تطبيق الاتفاق الثنائي بتاريخ 11 مايو 2025، ردت فرنسا بإلغاء الإعفاء من التأشيرة، قبل أن تُرسِّخ هذا القرار بتعليق اتفاق 2013 في 19 غشت 2025، وهو الاتفاق الذي كان يتيح لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة الدخول بدون تأشيرة.
جاء القرار في سياق طرد متبادل للموظفين وقيود على دخول الأراضي الفرنسية طالت مسؤولين جزائريين. منذ ذلك الحين، لا شيء تغير. ومع ذلك، وفي الآن ذاته، تُمنح تنازلات كبرى لبلجيكا التي لا تختلف مواقفها الدبلوماسية، لا سيما على ملف الصحراء، عن المواقف الفرنسية إلا بالكاد. التناقض أشد إيلاما لأن بروكسل غالبا ما تُعدّ منسجمة مع توجهات أوروبية لا تصب بالضرورة في صالح الجزائر.
السابقة الإسبانية تعزز هذه الخلاصة. فبعد أزمة بالغة الحدة شهدت اتهامات حادة وقطيعة شبه كاملة، انتهى الأمر بتطبيع الجزائر علاقاته مع مدريد دون انتزاع أي تنازل. عودة إلى التعاون، واستئناف للتبادلات، واستقبال حار لمسؤولين إسبانيين.
زيارة خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في 26 مارس 2026 رسمت معالم تطبيع لافت للعلاقات الجزائرية-الإسبانية بعد ثلاث سنوات من الجفاء الدبلوماسي على خلفية دعم مدريد لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه الحل الوحيد لملف الصحراء.
في 26 مارس، وكأن شيئا لم يكن. استقبل استقبال رؤساء الدول، سواء من قِبل نظيره أحمد عطاف أو الرئيس عبد المجيد تبون، قدم ألباريس عرضا استعراضيا حقيقيا أكد فيه حضوره كرجل دولة وخبرته العميقة في التعامل مع النظام الجزائري.
فجأة، وبعد أن علّقت الجزائر معاهدة الصداقة عام 2022 إثر انقلاب مدريد في ملف الصحراء، تطبّع علاقاته دون أن ينتزع ولا ظل تنازل إسباني على هذا الملف. وبعد أن أغلق خط الغاز المغرب-أوروبا العابر للمغرب، فتح الجزائر صنابير غازه مجددا أمام إسبانيا مع وعود بزيادة الإمدادات. وعادت المنتجات الإسبانية تحظى بترحاب تام، علما بأن حجم التبادلات بلغ قرابة 8.5 مليار يورو عام 2025، مع ارتفاع حاد في الصادرات الإيبيرية.
ما يكشفه هذا كله قدرة على الانتقال السريع من موقف المواجهة إلى منطق المهادنة بل التبعية. هذا التقلب الدبلوماسي، حيث تتهاوى المبادئ المُعلنة أمام إكراهات اللحظة، يرسّخ الإحساس بدبلوماسية بلا بوصلة وبلا قبطان.
إقرأ أيضا : تبون يدّعي «إجباره» إسبانيا على التنازل في قضية الصحراء
يبقى السؤال حول ردة فعل باريس. أمام منظومة تتيح التحايل على قيودها، قد تلجأ فرنسا إلى تشديد آليات الرقابة، لا سيما استهداف التنقلات داخل شنغن، لقطع الطريق على التحايلات التي تولدها اتفاقيات ثنائية غير متكافئة.
في رسالة بتاريخ 6 غشت 2025، وجّهها إلى رئيس وزرائه، طالب الرئيس إيمانويل ماكرون بتطبيق فعلي للقيود المفروضة على المسؤولين الجزائريين، مشددا على ضرورة تفادي أي تحايل عليها عبر دول أوروبية أخرى، وداعيا إلى تنسيق مُعزَّز داخل منطقة شنغن وإرساء آليات تشاور بين الدول الأعضاء.
هشاشة هذا الاتفاق مع بلجيكا تطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الرابط بين الدولة ومواطنيها. بقبوله التفاوض على إعادة مواطنيه لا بوصفها التزاما بل مقابلا، يُدخل النظام الجزائري منطق التسليع الذي يطمس المعالم.
إعادة المهاجرين غير النظاميين، التي كان ينبغي أن تندرج ضمن مبدأ بسيط للمسؤولية الدولاتية، تتحول إلى ورقة ضغط في خدمة مصالح خاصة. ويزداد التناقض صرخة حين يُقارَن بالرفض المستمر المضروب في وجه فرنسا في ظروف مماثلة.
في المحصلة، ما يكشفه هذا الاتفاق ليس ذكاء تكتيكيا ولا تكيفا مع إكراهات المرحلة، بل تحولا أعمق تتحول فيه الدبلوماسية إلى لعبة، وموارد الدولة إلى امتيازات، والسيادة الوطنية إلى أداة مطاطة تتشكل بحسب المحاور. منطق يعرّي، مرة أخرى، هشاشات جسيمة وتناقضات صارخة لنظام لا يرى إلا مصالح ضيقة جدا. وقد بات هذا اليوم عاريا للعيان.
