الأهم من ذلك، يحدد القرار تاريخ 31 يناير 2026 موعدا لـ «حل سياسي نهائي»، ويعلن عن تحويل أو إنهاء بعثة المينورسو (MINURSO) إذا لم يتم إحراز أي تقدم في غضون ستة أسابيع. كل هذه العوامل تتضافر لتفسير سبب وجيه لفزع النظام الجزائري... وتهربه من عملية التصويت.
لقد أحست الدبلوماسية الجزائرية بالخطر الوشيك. فقبل أيام قليلة من التصويت على القرار الجديد لمجلس الأمن حول الصحراء الغربية، أثارت « المسودة الصفرية » التي يتم تداولها في أروقة الأمم المتحدة حالة من الذعر في الجزائر العاصمة. والأمر اللافت أن الجزائر نفسها، وكيان البوليساريو التابع لها، هما من يقفان وراء تسريب هذا النص، وذلك بهدف التنديد به قبل اعتماده.
والسبب واضح: يكرس هذا النص، بالحرف الواحد، ما يدافع عنه المغرب منذ عام 2007، وهو خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وفي الوقت ذاته يفرغ من مضمونه الخطاب الانفصالي الذي دأب النظام الجزائري على رعايته عبر البوليساريو منذ نصف قرن.
يذكر هذا الموقف بموقف آخر سابق. للتذكير، فبينما كانت الأمور تحاك خلف الكواليس، كانت الجزائر هي التي أعلنت رسميا، يوم الخميس 25 يوليوز 2024، وعبر بيان لوزارة خارجيتها، أن فرنسا قد غيرت موقفها رسميا من ملف الصحراء وباتت تقدم دعما «صريحا وبلا لبس لخطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية في إطار السيادة المغربية». جاء هذا الإعلان في وقت لم يكن لا المغرب ولا فرنسا قد أصدرا أي تصريح علني حول الموضوع. وكانت العواقب معروفة: صخب، وتهديدات، ومحاولات إفشال... لكن دون أية نتيجة. فالتاريخ يعيد نفسه، وهذا كل ما يعرف أن يفعله. والدليل: الجزائر لن تصوت على النص الذي هو قيد الاعتماد.
سياسة الكرسي الشاغر
أمام تراكم هذه الإشارات، اختارت الجزائر سياسة الكرسي الشاغر. تحاول التغطية على الأمر بـ«اقتراح موسع» مبهم جدا لميليشياتها المسلحة، وببسط السجاد الأحمر أمام شخص مارق يعمل «وزيرا للخارجية» لكيانها الوكيل، وذلك للتنديد بـ«الحل المفروض» الذي يتضمنه القرار المرتقب. كما أنها تُظهر كامل «شجاعتها» عبر إبلاغ نواياها إلى أبواق الرئاسة الجزائرية، وهما صحيفتا «الخبر» و«لو سوار دالجيري».
نقلا عن مصادر دبلوماسية في نيويورك، أعلنت الصحيفتان بالتنسيق، عدم مشاركة الجزائر في التصويت الحاسم الذي سيجري نهاية هذا الشهر في مجلس الأمن. وحاولت هذه العناوين، تحت ستار التحليل، تقديم عدم المشاركة على أنه عمل احتجاجي ضد الانحياز المؤيد للمغرب في النص. وقد كتبتا: «من غير المتوقع أن تصوت الجزائر على قرار مجلس الأمن القادم بشأن الصحراء الغربية، والذي من المقرر أن يكرس السيادة المغربية على هذا الإقليم... وتظل الجزائر متمسكة بشدة بمبدأ تنظيم استفتاء».
لكن وراء هذا المشهد، يسيطر الخوف. النظام يدرك أن التصويت ضد القرار سيعرضه لعزلة دبلوماسية كاملة، وأن التصويت لصالح القرار يعني الاعتراف بخطة الحكم الذاتي المغربية. وبما أن الامتناع عن التصويت هو شكل من أشكال عدم التنديد بمضمون القرار، يفضل نظام الجزائر حظر نفسه من التصويت عليه. إذن، فإن عدم المشاركة في التصويت هو ما يعلنه النظام الجزائري قبل أسبوع من موعد اعتماد القرار. وهذا اعتراف بالعجز، وإقرار بفشل ذريع يتم تخفيفه في محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه في ملف بات يفلت من بين يديه.
المشكلة هي أن نظام الجزائر قد استهان بعدم مشاركته في تصويت مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية، ولن يعير أحد لذلك أي اهتمام. إن « دراما » النظام ما هي إلا « تاريخ يعيد نفسه ». ففي أكتوبر 2024 بالفعل، لم تصوت الجزائر لأنها فشلت في تعديل قرار اعتبرته مؤيدا جدا للمغرب. حينها، فضلت الجزائر، وهي معزولة وغير قادرة على حشد الدعم، الانسحاب من التصويت بدلا من تحمل مسؤولية تصويت سلبي أو الامتناع عن التصويت. كان ذلك الاختيار، الذي اعتبر غير مسبوق وعلامة ضعف، يرمز إلى مأزقها الدبلوماسي في قضية الصحراء. وها هي الآن توقع على فشلها. لأسباب بديهية.
تكريس خطة الحكم الذاتي: تحول تاريخي
إن « المسودة الصفرية » للقرار 2025، التي تتولى الولايات المتحدة صياغتها الرئيسية، واضحة لا لبس فيها. فمجلس الأمن فيها « يحيط علما، في هذا السياق، بالدعم الذي عبرت عنه الدول الأعضاء لمقترح المغرب الجاد وذي المصداقية والواقعي للحكم الذاتي »، بل ويذهب الى حد « تأكيده باعتباره الأساس الأكثر مصداقية لحل عادل ودائم ».
المفردات المستخدمة موزونة دبلوماسيا، لكنها متفجرة سياسيا. فعبارة « الأساس الأكثر مصداقية » تعني أن الخيارات الأخرى لم تعد مطروحة على الطاولة.
الأكثر من ذلك، النص « يؤكد أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق »، ويوضح انه يمثل « الإطار الوحيد » للتوصل الى حل لنزاع عمره خمسون عاما. وبذلك، يدفن مجلس الأمن بشكل مباشر وهم أن الصحراء هي « آخر مستعمرة في إفريقيا »، ليحل محله مخطط عملي وملموس، هو مخطط الحكم الذاتي في إطار الوحدة الترابية للمغرب.
الانخراط الشخصي لدونالد ترامب
هناك مستجد آخر يثير استياء شديدا في الجزائر العاصمة: الإشارة المباشرة الى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالنص « يشيد بقيادة الرئيس ترامب في مجال تسوية النزاع في الصحراء الغربية »، مذكرا بـ « دعوته للأطراف للانخراط دون تأخير في مناقشات باستخدام مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار الوحيد ».
إن إدراج هذه الإشارة يمثل زلزالا دبلوماسيا. فلم يسبق لأي مشروع قرار صادر عن مجلس الأمن أن اقتبس تصريحا لرئيس دولة أجنبية للإشادة بدوره في البحث عن حل لنزاع الصحراء. هذه الإشارة الرسمية الى ترامب تعني أن ختم قمة الدولة الأمريكية قد وُضع على النص. وبالنسبة للجزائر، التي كانت تراهن كلية على تغيير أمريكي افتراضي للموقف، يعد هذا توبيخا قاسيا.
الجزائر مدعوة بشكل مباشر
يحرص النص على إشراك جميع « الأطراف المعنية » (المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو) في مشاورات المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا. هذا الذكر الصريح، الذي غالبا ما كان يتم التملص منه، يكرس وضع الجزائر كطرف فاعل في النزاع، بدلا من مجرد « جار قلق ». وهذا يغير كل شيء. فلم يعد بإمكان الجزائر أن تدعي بأنها مجرد « مراقب » للعملية، بل يجب عليها الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي لم تكف عن مقاطعتها. هي مطالبة بالمشاركة الفعالة وبحسن نية في مفاوضات وضع خطة الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت سيادة المملكة المغربية، وإلا ستتحمل مسؤولية أي فشل محتمل. ومن هنا ينبع الانزعاج الواضح والهجمات ضد «انحياز» مجلس الأمن.
العد التنازلي للمينورسو
انزعاج أم لا، لا بد من التحرك. وبسرعة. يشكل القرار منعطفا حقيقيا بمطالبة «الأمين العام (...) بتقديم توصياته بخصوص تحويل أو إنهاء المينورسو بناء على نتائج المفاوضات». وبعبارة أخرى: سيتم إعادة نشر المينورسو لتصبح بعثة مرتبطة بـ«الحكم الذاتي»، أو سيتم تفكيكها.
هذه الآلية غير مسبوقة. إنها تنهي منطق البعثة الأبدية والعقيمة. يمنح المجلس مهلة ستة أسابيع لتقييم التقدم، وهو إطار زمني يتسم بشدة غير معهودة في لغة الأمم المتحدة، بل ويحدد موعدا نهائيا صارما: «قبل 31 يناير 2026»، وهو الموعد الأقصى للتوصل الى «حل سياسي نهائي». بالنسبة للجزائر، التي اعتادت على كسب الوقت، فإن هذا العد التنازلي يمثل فزاعة مخيفة.
قراءة جديدة لتقرير المصير
يوجد القلب الإيديولوجي للنص في العبارة التالية: «حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين، ينص على حكم ذاتي حقيقي داخل الدولة المغربية، مع ضمان حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية». هذه الصياغة تكرس تطورا كبيرا. فقد أصبح الحكم الذاتي يُقدم الآن كشكل من أشكال تقرير المصير. ولم تعد الأمم المتحدة تتحدث عن استفتاء ثنائي الخيار (الاستقلال أو الاندماج)، بل عن التعبير عن الإرادة السياسية من خلال وضع قانوني يتم التفاوض عليه والموافقة عليه. وبعبارة أخرى، يمر الحق في تقرير المصير عبر الحكم الذاتي.
إن مشروع قرار مجلس الأمن لا يكتفي بتمديد ولاية تقنية. بل يعيد رسم الإطار السياسي لملف الصحراء. فمن خلال الاعتراف بصلاحية خطة الحكم الذاتي المغربية، وإشراك الجزائر بشكل مباشر، والتلميح الى نهاية أو تحويل بعثة المينورسو، وتحديد موعد نهائي دقيق، يكون مجلس الأمن قد طوى صفحة خمسين عاماً من الغموض.
يحق للجزائر أن تشعر بالذعر. فهذا القرار، إذا تم اعتماده على حاله، يثبت الانتصار الدبلوماسي للمغرب ويدفن الحلم الانفصالي الذي رعته بفضل عائدات النفط والبروباغندا (الدعاية). لقد انتهى زمن التظاهر والتملص. وتدخل الصحراء حقبة الحل السياسي، ويدخل النظام الجزائري حقبة الغرق الكبير.




