وفي كلمة افتتاحية وازنة، أكد رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، أن المغرب بات، بفضل الرؤية الملكية السديدة، يتوفر على خارطة طريق واضحة لتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية واستدراك العجز التنموي، مبرزا أن هذا الخيار لم يعد توجها اجتماعيا ظرفيا فقط، بل أصبح ركيزة استراتيجية في مسار بناء الدولة الحديثة، وترسيخ المشروع المجتمعي الذي يقوده جلالة الملك.
وأبرز ولد الرشيد أن بلوغ المنتدى دورته العاشرة يعكس تحوله إلى فضاء مؤسساتي راسخ للتفكير الجماعي والحوار التعددي، وأداة فعلية لمساهمة البرلمان في صناعة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها وتقييم أثرها، بما ينسجم مع طبيعة مجلس المستشارين وتمثيليته الدستورية المتفردة، معتبرا أن انعقاد هذه الدورة يأتي في لحظة تنموية مفصلية تمر بها المملكة، تتسم بما يسميه اقتصاديو التنمية «فخ الدخل المتوسط»، حيث تتعقد المفاضلة بين تسريع الإقلاع الاقتصادي، وتعميق العدالة والإدماج الاجتماعيين.
وفي هذا السياق، أشار رئيس مجلس المستشارين إلى أن التقارير الوطنية والدولية، وفي مقدمتها تقرير النموذج التنموي الجديد، كشفت الحاجة إلى انعطافات بنيوية وقطائع مدروسة في الاختيارات العمومية، موضحا أن المبادرة الملكية بإطلاق ورش بناء الدولة الاجتماعية، شكلت جوابا حاسما عن هذا المنعطف، باعتبارها خيارا لا يتعارض مع الإقلاع الاقتصادي، بل يحصنه ويوفر له شروط المناعة والاستدامة، من خلال إصلاحات هيكلية وبرامج اجتماعية طموحة، مؤطرة برؤية متكاملة تربط النمو بالإدماج، وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة المواطنات والمواطنين.
وسجل ولد الرشيد أن المعطيات الهيكلية المتوفرة تؤكد وجاهة هذا النهج، إذ ولج المغرب لأول مرة في تاريخه نادي الدول ذات مؤشر التنمية البشرية المرتفع، مع تسجيل تحسن ملحوظ في جهد النمو الاقتصادي بأكثر من نقطة، مقارنة مع متوسط العقد الأخير، مبرزا أن التوجيهات الملكية السامية وسَّعت أفق الإصلاح ليشمل، إلى جانب البعد الاجتماعي، البعد المجالي، عبر الانتقال من منطق السياسات القطاعية المتفرقة، إلى رؤية تنموية مجالية مندمجة، تجعل العدالة الترابية ركيزة موازية للعدالة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، استحضر ولد الرشيد الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025، الذي دعا إلى إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يضمن استفادة جميع المواطنين، في مختلف الجهات، من ثمار التقدم والتنمية دون تمييز أو إقصاء، مشددا في المقابل، على أن نجاح هذه الرؤية يستلزم مضاعفة الجهود لتسريع تنزيلها، وتعزيز التنسيق وتأهيل الحكامة وتعميق الإصلاحات، مع التقييم المستمر لآثارها لضمان استدامة النتائج.
وأكد المسؤول البرلماني أن ربح معركة العدالة الاجتماعية يظل مرتبطا أيضا بقدرة المملكة على مواجهة التحولات العالمية المتسارعة، وما تفرزه من تحديات مرتبطة بالفجوات التكنولوجية والرقمية، وتدفقات الهجرة، والصراعات الجيوسياسية، وتواتر الأزمات الاقتصادية، فضلا عن التحولات المناخية، متوقفا في السياق ذاته، عند ما تعرفه مناطق من أقاليم الشمال والغرب من فيضانات واضطرابات مناخية غير مسبوقة، معتبرا إياها دليلا ملموسا على أن التغير المناخي أصبح تهديدا حقيقيا لمناعة الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.
وأشاد ولد الرشيد بطريقة تدبير المملكة لهذه المخاطر، كما كان الشأن خلال جائحة كوفيد-19 وزلزال الحوز سنة 2023، من خلال التعبئة الشاملة والتضامن الوطني، بفضل الرؤية الاستباقية والتوجيهات السامية للملك، التي تضع حماية الإنسان وصون كرامته في صلب الاختيارات الوطنية، مؤكدا أن الرهان اليوم هو رهان ثلاثي الأبعاد، يقوم على اقتصاد قوي، ومجتمع متماسك، وحكامة فعالة، ومبرزا أن بناء الدولة الاجتماعية يقتضي اقتصادا تنافسيا مولدا لفرص الشغل، وتقليصا للفوارق الاجتماعية والمجالية، وحكامة جيدة تضمن استدامة المكتسبات.
وبيّن المسؤول نفسه أن هذه الرؤية تنسجم مع محاور أشغال المنتدى، التي تتوزع على ثلاث جلسات رئيسية، تتناول أثر التحولات العالمية على التشغيل والنمو والتماسك الاجتماعي، وقضايا الإنصاف والحماية الاجتماعية، ثم الحكامة البرلمانية للعدالة الاجتماعية، من خلال التشريع والرقابة وتقييم الأثر، حيث خلُص في كلمته إلى أن تحقيق العدالة الاجتماعية بفعالية لا يمكن تصوره دون مقاربة تشاركية، تقوم على تكامل أدوار مختلف الفاعلين، معتبرا العمل البرلماني رافعة أساسية في هذا المسار، بحكم الدور المحوري الذي يضطلع به مجلس المستشارين في مواكبة أوراش العدالة الاجتماعية، وتعزيز التقائية السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي، بما يسهم في تحويل المبادئ إلى سياسات وتشريعات عملية، قابلة للقياس ومستدامة الأثر.



