بنطلحة يكتب: الحرب في مفهومها المعاصر

محمد بنطلحة الدكالي

في 27/03/2026 على الساعة 17:05

مقال رأيتحتل الحرب مكانة مركزية في تاريخ البشرية، فهي ليست مجرد حادثة عابرة، بل ظاهرة بنيوية تعكس طبيعة العلاقات الدولية وتوازنات القوة. غير أن الخطأ الشائع اليوم هو الاستمرار في فهمها وفق صور تقليدية تختزلها في مواجهة مباشرة بين جيشين، لأن الحرب تغيرت جذريا في أدواتها ومنطقها وامتدادها، حتى أصبحت أقل وضوحا في بداياتها ونهاياتها، وأكثر تعقيدا في أهدافها ونتائجها.

ولعل أحد أبرز ملامح هذا التحول أن الحرب لم تعد في حاجة إلى إعلان رسمي حتى تقوم فعليا، لا في الواقع الاستراتيجي ولا حتى في الإطار القانوني. فالحرب في صورتها التقليدية كانت تبدأ بإعلان واضح يحدد لحظة الانتقال من السلم إلى الحرب، أما اليوم فإنها قد تبدأ بالفعل لا بالقول، من خلال سلسلة من الضربات المحدودة، أو الهجمات السيبرانية، أو العمليات غير المباشرة، دون أن تسمى حربا بشكل رسمي.

ويفسر ذلك أن الدول لم تعد معنية دائما بإعلان الحرب، لأنها تسعى إلى التحكم في مستوى التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، كما تحاول الحد من الكلفة السياسية والدبلوماسية والقانونية التي قد تترتب عن إعلان رسمي. فالإعلان قد يفرض التزامات دولية، ويستدعي ردود فعل جماعية، ويقيد هامش المناورة. لذلك تفضل الدول العمل داخل ما يسمى بالمنطقة الرمادية (gray zone)، حيث يمكنها ممارسة الضغط العسكري أو شبه العسكري دون الوصول إلى عتبة الحرب المعلنة.

ومن الناحية القانونية، فإن هذا التحول يجد أساسه في القانون الدولي الإنساني، الذي لا يربط وجود النزاع المسلح بإعلان الحرب، بل بقيام حالة من العنف المسلح بين أطراف. وقد كرست اتفاقيات جنيف هذا المبدأ حين نصت على تطبيقها في « كل نزاع مسلح »، سواء أعلن أم لم يعلن. كما أن ميثاق الأمم المتحدة، من خلال المادة 2 الفقرة 4، يحظر استعمال القوة أو التهديد بها ضد سلامة الدول، في حين تعترف المادة 51 بحق الدفاع الشرعي في حالة وقوع هجوم مسلح، دون اشتراط أي إعلان مسبق. وهذا يعني أن الحرب قد تكون قائمة قانونا وواقعا، حتى في غياب إعلان رسمي.

في الفكر الاستراتيجي، وضع كارل فون كلاوزفيتز( Carl von Clausewitz) الأساس النظري حين اعتبر الحرب « استمرارا للسياسة بوسائل أخرى »، وهي فكرة لا تزال جوهرية لفهم الصراعات المعاصرة. فالحرب لا تخاض لمجرد القتال، بل لتحقيق غايات سياسية محددة: الردع، الإكراه، تعديل سلوك الخصم، أو إعادة تشكيل التوازنات. وقد أضاف باسيل ليدل هارت(Basil Henry Liddell Hart ) أن جوهر الحرب يكمن في إرباك الخصم عبر طرق غير مباشرة، بينما شدد سون تزو Sun Tzu منذ قرون على أن أفضل انتصار هو كسر إرادة العدو دون خوض معركة شاملة. هذه الرؤية المشتركة تكشف أن الحرب، في جوهرها، ليست تدميرا فقط، بل إدارة للضغط والنتائج.

ومع ذلك، فإن أشكال الحرب تطورت عبر الزمن في مسار تراكمي يعكس تطور الدولة والتكنولوجيا وطبيعة المجتمع. فقد قامت حروب الجيل الأول على الجيوش النظامية والانضباط الصارم والاصطفاف في خطوط واضحة، حيث كان الحسم يتم عبر المواجهة المباشرة والسيطرة على الميدان. ثم جاءت حروب الجيل الثاني مع الثورة الصناعية، فانتقل مركز الثقل إلى قوة النيران، خاصة المدفعية، وأصبح الاستنزاف وتدمير قدرات العدو عبر القصف المكثف هو الأساس.

ومع القرن العشرين، برزت حروب الجيل الثالث التي اعتمدت على المناورة والسرعة والاختراق، كما في الحرب الخاطفة (blitzkrieg) ، حيث لم يعد الهدف مجرد إضعاف العدو، بل شل قدرته على التنظيم عبر ضرب العمق وتفكيك خطوطه الخلفية. غير أن التحول الأهم جاء مع حروب الجيل الرابع، حيث تراجع احتكار الدولة للعنف، وظهرت الفواعل غير الدولتية، مثل الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود، وأصبحت الحرب تمتد إلى المجال الإعلامي والسياسي، ويغدو كسب الرأي العام والتأثير النفسي جزءا من المعركة.

أما اليوم، فإن ما يسمى بحروب الجيل الخامس لا يمثل قطيعة مع ما سبق، بل تطورا مركبا يدمج مختلف الأنماط السابقة ضمن منظومة واحدة. فالحرب لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت متعددة الأبعاد، تشمل الفضاء السيبراني، وحرب المعلومات، والتأثير الإدراكي، والضغط الاقتصادي، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف يقتصر على هزيمة العدو ميدانيا، بل أصبح يرتبط بالتأثير في إدراكه وقراراته، وإعادة تشكيل بيئته الاستراتيجية دون الحاجة إلى مواجهة شاملة.

هذا ما يفسر صعود مفهوم الحرب الهجينة(hybrid warfare) ، التي تقوم على دمج وسائل متعددة: عسكرية وغير عسكرية، مباشرة وغير مباشرة، نظامية وغير نظامية. وهي غالبا ما تمارس داخل المنطقة الرمادية، حيث يستمر الصراع دون إعلان رسمي، عبر العقوبات، والهجمات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، والعمليات غير المعلنة. وهكذا لم تعد الحرب تبدأ بصدام واضح، بل قد تكون قائمة قبل أن تعلن.

وتؤكد المعطيات الدولية هذا التحول؛ العالم يشهد اليوم أكثر من مائة نزاع مسلح بدرجات مختلفة، بحسب تقديرات قواعد بيانات دولية مثل ACLED واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في حين بلغ الإنفاق العسكري العالمي حوالي 2718 مليار دولار سنة 2024، وهو مستوى غير مسبوق، يعكس عودة مركزية القوة العسكرية والصناعية في العلاقات الدولية.

غير أن التحول الأعمق في الحرب المعاصرة لا يتعلق فقط بوسائلها، بل بهدفها نفسه.

لم يعد الهدف الأساسي هو تدمير قوات العدو، بل أصبح يتمثل في تفكيك أنظمته وإرباكها.

فالحرب اليوم تستهدف شبكات الطاقة، والاتصالات، وأنظمة القيادة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والقدرة السياسية على اتخاذ القرار. لم يعد المطلوب دائما احتلال الأرض، بل تعطيل النظام الذي ينتج القوة ويديرها. وهكذا تتحول الحرب إلى عملية استنزاف مستمرة، يكون فيها الإرباك والتعطيل أهم من التدمير المباشر.

وقد ساهمت التكنولوجيا في تكريس هذا التحول. فالصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والأسلحة فرط الصوتية، والطائرات المسيرة، والقدرات السيبرانية أصبحت أدوات مركزية في الحرب. ولم تعد المواجهة تعتمد على الاحتكاك المباشر، بل على المدى والسرعة والدقة وزمن الاستجابة. كما أدخلت الطائرات المسيرة منطقا جديدا قائما على الكلفة المنخفضة والإغراق، حيث يمكن استنزاف أنظمة دفاع متطورة بوسائل أبسط وأكثر عددا.

وهنا يظهر التحول الحاسم حيث أصبح تحديد معنى النصر في الحرب أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

ففي الحروب التقليدية، كان النصر يقاس بالسيطرة على الأرض أو استسلام العدو. أما اليوم، فقد تحقق قوة تفوقا عسكريا كبيرا دون تحقيق أهدافها السياسية، بينما قد يعتبر طرف آخر نفسه منتصرا بمجرد الصمود أو إفشال أهداف خصمه أو إطالة أمد الصراع. لذلك لم يعد السؤال: من انتصر عسكريا؟ بل: من حقق الأثر السياسي بتكلفة قابلة للتحمل؟

وفي هذا السياق، عادت القدرة الصناعية لتحتل موقعا مركزيا. فالحرب الطويلة لم تعد مجرد اختبار للشجاعة أو للتفوق التكنولوجي، بل أصبحت اختبارا لقدرة الدولة على الإنتاج، والصيانة، وتأمين الإمدادات، وتحمل الاستنزاف. الحرب تحسم في المصانع بقدر ما تحسم في الميدان.

كما أن الكلفة الإنسانية للحرب لا تزال مرتفعة، بل أكثر تعقيدا. فالنزاعات الحديثة تخلف دمارا واسعا ونزوحا جماعيا وتأثيرات طويلة الأمد، مما يكشف مفارقة أساسية: كلما أصبحت الحرب أكثر دقة تقنيا، ازدادت تعقيدا في آثارها الإنسانية.

وفي هذا الإطار، يجسد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران نموذجا شبه مكتمل للحرب المعاصرة. فهذا الصراع لم يبدأ كحرب تقليدية، بل كمسار طويل من المواجهة داخل المنطقة الرمادية، تطور تدريجيا إلى مواجهة مباشرة محدودة ومتعددة المجالات، دون أن يتحول إلى حرب شاملة تقليدية. وهو يجمع بين الضربات الدقيقة بعيدة المدى، واستخدام واسع للطائرات المسيرة والصواريخ، وتعدد الفاعلين، وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسيبرانية.

كما يعكس هذا الصراع منطق الاستنزاف وإدارة التصعيد، حيث لا يكون الهدف الحسم السريع، بل فرض توازنات جديدة عبر الضغط المستمر. وهو يكشف أيضا أن الحرب الحديثة لا تدار فقط بالقوة، بل بإدارة الإيقاع، وضبط مستوى التصعيد، والحفاظ على التوازن بين الردع والانفجار. وفي هذا السياق، يصبح عامل الإرادة والاستمرارية حاسما، إذ لا يكفي التفوق العسكري وحده لتحقيق الحسم.

في المحصلة، أصبحت الحرب أكثر تعقيدا، وأقل وضوحا، وأصعب في التقييم. ولم يعد فهمها ممكنا من خلال متابعة المعارك فقط، بل يتطلب تحليل منظومة متكاملة تتداخل فيها الاستراتيجية، والتكنولوجيا والصناعة والمعلومة والإرادة السياسية، إلى جانب الإطار القانوني الذي لم يعد قادرا دائما على مواكبة سرعة التحولات.

وهذا ما يجعل الحرب المعاصرة أكثر غموضا لكنها في الوقت نفسه أكثر حضورا وتأثيرا في تشكيل العالم من أي وقت مضى.

*محمد بنطلحة الدكالي

أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض

مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي *
في 27/03/2026 على الساعة 17:05