لا شك أنّ القارئ المتأمّل والمُتابع لحيثيات ويوميات البحث العلمي في الجزائر، سيندهش من الطريقة التي أصبحت فيها الجزائر تروّج للكذب، وهي تعلم أنها باتت اليوم خارج التاريخ، بحيث لم يعُد للجزائر ما تقدّمه للعالم، أمام الفساد السياسي الذي ينخرها والانهيار الوجودي لمنظومتها الثقافية التي أصبحت ممارساتها في مجملها تابعة للسلطة وخاضعة إلى سياسة نظام العسكر وميثولوجياته. إنّ المثير للدهشة والغرابة، أنّ الجزائر تُدرك بأنّ العالم لم يعُد يصدقها، لكنّها مع ذلك، تتمادى في إنتاج الكذب والترويج له عبر مؤسساتها الإعلامية وقنوات وسائل التواصل الاجتماعي التي تبدو في بعض حالاتها وكأنها عبارة عن ميليشيات تكنولوجية تروّج للحقد وتنتج الكذب والتفاهة.
من يقرأ الخبر يصاب بالضحك، لا لأن وزارة التعليم العالي اكتفت بعبارة الأولى عربياً وإنما أضافت أنها احتلّت المرتبة الأولى عربياً وللمرة الخامسة، وكأن العرب لا تربطهم علاقة بالقراءة والكتابة، ولا يعرفون أهمية المجلات العلمية الموجودة بالعالم العربي، وإلى أيّ حد استطاعت بعض المجلات العلمية أنْ تكون بمثابة صلة وصل بين المشرق والمنطقة المغاربيّة ككل.
إنّ هذا التهريج الساذج لنظام عبد المجيد تبون، يفضح الطريقة التي غدا عليها البحث العلمي بالجزائر، وكيف أصبح في مجمله عبارة عن حديثُ كتبٍ عن كتب، بل هو امتداد لما يريده النظام أنْ يكون وليس ما يفرضه الواقع من أحداث ووقائع ومفاهيم ونظريات.
إننا أمام شكل جديد من أشكال التدجين والتزوير، حيث تخرج علينا وزارة أُسند لها مهمة البحث العلمي لتُمطرنا بهذا التزوير العلمي الذي يجعل من الجزائر تتربّع على عرش المجلات العلمية المحكمة.
لم تقف الوزارة في هذا التتويج «المفبرك» عند عدد المجلات العلمية التي أدرجت ضمن المجلات العلمية العربية بعدد 426 مجلة علمية، بل إن نشيدها شمل حتى عدد المؤلفين الذين استُشهد بإنتاجهم العلمي، حيث بلغ عددهم 26,834 مؤلّفاً، أيْ بزيادة 5,400 عن نتائج تقرير السنة المنصرمة. إنّ هذا الأمر يطرح علينا سؤالاً جوهرياً: ما الكتاب الهام الذي صدر في الجزائر هذه السنة؟ لدرجة أنه أحدث رجّة في بنية الثقافة العربية واستطاع أنْ يخلق جدلاً واسعاً بأفكارهم ومضامينه ومواقفه ومفاهيمه.
إنّ التأليف العلمي الجزائر يصعب أنْ يتقدّم إلى الأمام، أمام مختلف الرقابة العلمية الذي تُمارس عليه من لدن النظام السياسي، لذلك فإنّه بحثٌ علمي تقليدي، في حين أنّ الدراسات العلمية الهامة كُتبت خارج الجزائر، لأن أصحابها تعلموا خارج سراديب الجامعات الجزائرية، حيث يصعب على بعضهم نشر سطر واحد داخل الجزائر المنكوبة ثقافياً.
يعرف كل باحث في مجال البحث العلمي عربياً ومغاربياً المهزلة التي أصبحت تُنتج في الجزائر، بحيث ساهمت الطفرة التكنولوجية التي اكتسحت منصّات البحث العلمي في ميلاد مجلات إلكترونية جزائرية، لم يسمع عنها أحد ولا أثر لها فيما تنشره، ليس فقط داخل المجلات العلمية، بل حتى داخل المواقع الصحفية الخبرية، بما يجعل القارئ، يجد نفسه أمام مجلات علمية لا ترقى أنْ تكون صحفية لكنها تُمنح لها صفة «العلمية» وذلك في تواطؤ بيت الجامعات والمؤسسات الوصية على الشأن العلمي بالبلد.
كما يعلم العديد من الباحثين والمثقفين العرب أن هناك مجلات جزائرية يدفع لها الباحثون الجزائريون المال، حتى تنشر أبحاثهم الهشة التي في مجملها عبارة عن قراءات قديمة في قضايا وإشكالات لا أكثر أهلكت بحثاً وتفكيراً وتأملاً. فهذا النمط أصبح بمثابة «نكت» يتداولها المثقفون العرب فيما بينهم، حيث يُظهر ذلك العجز العلمي الذي وصلت إليه الجزائر والانبطاح الثقافي الذي يجعلها اليوم خارج مدارات البحث العلمي، لأنها جامعاتها لم تعُد تنتج أيّ جديد يُعوّل عليه معرفياً، باستثناء التراكم غير النوعي الذي تحرص عليه، بسبب الأموال التي يسخرها نظام العسكر لبض المؤسسات من أجل الترويج لأفكاره ومواقفه.
لذلك فحين يطالعنا تتويج من هذا القبيل، نعرف مسبقاً أنه يدخل ضمن التدريب الإنشائي الكاذب الذي باتت الجزائر تنتهجه سياسياً ودبلوماسياً وعلمياً. إننا هنا أمام فضيحة علمية تنضاف إلى سلسلة الفضائح التي يشتهر بها نظام عبد المجيد تبون، بعدما أصبحت وزارته تشكل امتداداً لنمطٍ من تفكير العسكر القائم على الكذب والعنف والتضليل والتدجين وتزييف الحقائق حتى تظهر الجزائر بصورة البلد الذي يراهن على العلم والمعرفة، في حين أنّ الواقع يُظهر عكس هذا الأمر تماماً.
