الفقرات الثلاث الأولى من هذا المقال تُذكّر بأمور يعرفها الجميع – أو يفترض أن يعرفها. أرجو المعذرة على هذا التكرار. ابتداء من الفقرة الرابعة، يظهر جانب غير مألوف يجهله الكثيرون – وهو جوهر مقالي هذا.
في 20 غشت من كل سنة، يحيي المغرب ذكرى ثورة الملك والشعب. لقد قمنا بذلك للتو. ففي 20 غشت 1953، جرى عزل السلطان محمد بن يوسف (الذي سيحمل لاحقا لقب الملك محمد الخامس سنة 1957) ونفيه من طرف السلطات الفرنسية، إثر مؤامرة شارك فيها ألبونس جوان، المقيم العام لفرنسا بالمغرب منذ 1947، والباشا الكلاوي. وبعد فترة قصيرة في كورسيكا، نُفي السلطان إلى مدغشقر، قبل أن يُعاد إلى عرشه في نونبر 1955، ويقود بلاده نحو الاستقلال سنة 1956.
لم تستسغ السلطات الفرنسية تقديم عريضة الاستقلال إلى السلطان بموافقته، يوم 11 يناير 1944، موقعة من 66 من الوطنيين. وعندما ألقى السلطان خطابه الشهير بطنجة يوم 10 أبريل 1947، وأكد فيه سيادة المغرب (بما في ذلك حقوقه على طنجة) ووحدته المرموز إليها بالتاج، بلغ السيل الزبى. لقد كان التلاحم بين الملك والشعب أمرا غير مقبول لـ«الحزب الاستعماري» الذي كان يضغط في باريس من أجل استمرار الهيمنة الفرنسية على المغرب. ومن هنا جاء القرار الجائر بعزل السلطان ونفيه يوم 20 غشت.
«عندما أقول إن 20 غشت يجب أن يُحتفل به معا من طرف المغاربة والجزائريين، قد أبدو حالما بعض الشيء. فهل تُدرَّس هذه الحقائق أصلا لدى جيراننا؟»
— فؤاد العروي
كل هذا معروف، لكن ما يجهله الكثيرون هو أن تاريخ 20 غشت يوافق أيضا حدثا آخر يخلَّد كل سنة.
ففي20 غشت 1955، نظمت جبهة التحرير الوطني الجزائرية (FLN) مظاهرات عنيفة في قسنطينة، متخذة من الذكرى الثانية لعزل سلطان المغرب ذريعة لذلك. وكانت الجبهة تطالب بعودة محمد بن يوسف من منفاه – وهو ما تحقق فعلا بعد أشهر، يوم 16 نونبر 1955.
السبب في هذا المطلب كان واضحا: في ظل غياب وعي وطني جزائري قوي آنذاك، كان لا بد من تعبئة الناس على أساس الهوية الدينية. وكان نفي أمير المؤمنين من طرف غير المسلمين أمرا مرفوضا.
استجابةً لدعوة جبهة التحرير، خرجت حشود غاضبة تجوب شوارع Philippeville (سكيدة حاليا)، وهاجمت المستوطنين الأوروبيين، ما أدى إلى مقتل العشرات من الرجال والنساء والأطفال. ولم يتأخر الرد: في اليوم التالي، شنّ المستوطنون والجيش الفرنسي حملات انتقامية ضد « المسلمين »، فأسقطوا مئات الضحايا عشوائيا في الشوارع.
وبانتشار خبر مجازر قسنطينة، تعاطف عدد كبير من المسلمين المعتدلين، الذين لم يكونوا آنذاك ميّالين للفكر الاستقلالي، مع جبهة التحرير. وهكذا كان ذلك البداية الحقيقية لحرب الجزائر: ففي 23 غشت 1955، قررت الحكومة الفرنسية إعادة استدعاء نصف دفعة من المجندين الذين كانوا قد سُرّحوا قبل أشهر، وأبقت على دفعة 1954 تحت السلاح.
إقرأ أيضا : العروي يكتب: عن أهمية أن نكون أمة وليس مجرد تراب
يتضح إذن أن 20 غشت ينبغي أن يُحتفى به بشكل مشترك بين المغاربة والجزائريين: فهو تاريخ اهتزت فيه أركان الحماية بالمغرب، كما دشّن المسار الذي سيقود إلى استقلال الجزائر سنة 1962. والحدث المؤسس لذلك كله واحد: نفي السلطان محمد بن يوسف.
عندما أقول إن 20 غشت يجب أن يُحتفل به معا (وسيكون ذلك مؤثرا…) من طرف المغاربة والجزائريين، قد أبدو حالما بعض الشيء. فهل تُدرَّس هذه الحقائق أصلا لدى جيراننا؟ الوثائق موجودة مع ذلك، وتؤكد أن جبهة التحرير الوطني الجزائرية نظمت مظاهرات Philippeville للاحتجاج على عزل سلطان المغرب. وبعد بضع سنوات فقط، كانت الجزائر قد نالت استقلالها…
لعل يوما ما، تستعيد العقلانية مكانتها، ويُحتفل بـ20 غشت على ضفتي هذه الحدود المغلقة بإصرار، وربما تُفتح من جديد في تلك المناسبة.
ليس ممنوعا أن نحلم.
