المنتدى البرلماني الدولي يعتمد خارطة طريق لتعزيز العدالة الاجتماعية في عالم متحول

رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عبد القادر اعمارة

في 09/02/2026 على الساعة 18:00

أسفر المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، المنعقد بالرباط اليوم الاثنين 9 فبراير 2026، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، عن إصدار وثيقة مرجعية دولية، تؤطر العمل البرلماني المشترك في مجال العدالة الاجتماعية، وتستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها العالم، وما تفرزه من تحديات متزايدة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والبيئية.

واعتبر واضعو هذه الوثيقة، التي تحصل le360 على نسخة منه، أنها جاءت في سياق عالمي يتسم بتصاعد حالات عدم اليقين الاقتصادي، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتغير البنيات الديمغرافية، إلى جانب تفاقم الأزمات الصحية والمناخية، وهو ما أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية وتنامي مظاهر الهشاشة، حيث أكد المشاركون في المنتدى أن هذه التحولات تجعل من العدالة الاجتماعية مكونا جوهريا للتنمية المستدامة، وعنصرا حاسما في تعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وضمان قدرة الدول والمجتمعات على الصمود والتكيف في مواجهة الأزمات المتعددة.

واستحضرت الوثيقة المرجعيات الدستورية والوطنية التي تؤطر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وتكرس مبادئ الإنصاف، وتدعم بناء الدولة الاجتماعية، باعتبارها ركيزة للاستقرار والتنمية المتوازنة، كما استأنست بالالتزامات الدولية، ولا سيما خطة التنمية المستدامة في أفق 2030، وما تكرسه من ترابط وثيق بين مكافحة الفقر، وتقليص أوجه اللامساواة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والمجالي.

وفي باب المبادئ التوجيهية العامة، أقرت الوثيقة بأن العدالة الاجتماعية لم تعد خيارا قطاعيا، بل مبدأ عرضانيا واستراتيجيا يتعين إدماجه بشكل منهجي في مختلف السياسات العمومية، من خلال مقاربات متكاملة تضمن التقائية التدخلات، وتكامل البرامج، والانسجام بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والبيئية، مشددة على أن الصمود الاجتماعي والمجالي يمثل رهانا عالميا متزايد الأهمية، يستوجب الانتقال من منطق التدخلات الظرفية، إلى سياسات وقائية واستشرافية قائمة على إدارة المخاطر وتعزيز قدرات التكيف، مع إيلاء عناية خاصة للفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت الوثيقة الدور الجوهري للبرلمانات باعتبارها مؤسسات ديمقراطية تمثيلية، تضطلع بمسؤولية محورية في ترسيخ العدالة الاجتماعية، من خلال التشريع والمساءلة وتوجيه السياسات العمومية وتقييم أثرها، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويقوي الشرعية الديمقراطية.

وفي ما يخص السياسات الاجتماعية والحماية الاجتماعية، دعت الوثيقة إلى تعزيز شمولية أنظمة الحماية الاجتماعية، وضمان استدامتها المالية والمؤسساتية، مع تحسين آليات الاستهداف والولوج، بما يستجيب لتطور الحاجيات الاجتماعية وتنوع المخاطر، مؤكدة على أهمية تنسيق البرامج الاجتماعية والحد من تشتتها، وتعزيز الحكامة متعددة الفاعلين، بما يرفع من فعاليتها، ويضمن أثرا اجتماعيا ومجاليا ملموسا وقابلا للقياس، ومشجعة في السياق نفسه، على اعتماد مقاربة قائمة على قياس الأثر الاجتماعي في تصميم وتنفيذ وتتبع السياسات الاجتماعية، وربطها بمؤشرات واضحة ومنسجمة مع أهداف التنمية المستدامة.

وفي محور العدالة المجالية والتنمية الترابية، اعتبرت الوثيقة أن تقليص الفوارق المجالية شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء تنمية مستدامة وشاملة، داعية إلى توجيه الاستثمارات العمومية نحو البنيات التحتية والخدمات الأساسية في المجالات القروية والمجالات الهشة، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، بما يدعم الإدماج والاستقرار وتكافؤ الفرص، ومشددة على ضرورة دعم دور الجماعات الترابية المنتخبة في تنزيل السياسات الاجتماعية، في إطار حكامة ترابية قائمة على القرب والنجاعة والتكامل بين المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.

أما في ما يتعلق بالحكامة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية، فقد أكدت الوثيقة أهمية تعزيز القدرات البرلمانية في مجال تقييم السياسات، ولا سيما الاجتماعية والمجالية، باعتبار التقييم أداة مركزية لتحسين جودة القرار العمومي وتعزيز التعلم المؤسسي، داعية إلى إدماج تقييم الأثر الاجتماعي والمجالي في مختلف مراحل العمل التشريعي والرقابي، بما يعزز الطابع الاستباقي والوقائي للتدخل البرلماني، مع تشجيع تطوير أدوات العمل المبنية على البيانات والمؤشرات والأدلة العلمية، وتعزيز التعاون مع مراكز البحث والخبراء.

وفي محور التعاون البرلماني الدولي، شددت الوثيقة على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالات العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وتشجيع تبادل التجارب والممارسات الفضلى بين البرلمانات، وبناء شبكات للتعلم البرلماني وتبادل المعرفة، بما يعزز الابتكار المؤسسي وتطوير السياسات، داعية إلى دعم الشراكات بين البرلمانات والمنظمات الدولية والمؤسسات البحثية، من أجل تطوير أدوات تحليلية مشتركة وتحسين أثر السياسات العمومية.

وختمت الوثيقة بالتأكيد على اعتمادها إطارا توجيهيا لأعمال المتابعة والتقييم البرلماني المرتبطة بالعدالة الاجتماعية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، مع الدعوة إلى تتبع تنفيذ توصياتها، وتقييم أثرها الفعلي في إطار من الشفافية والمساءلة، مشددة على أهمية استدامة المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، كفضاء مؤسسي للحوار والتنسيق في ظل التحولات العالمية المتسارعة.

وأعلنت الوثيقة عن التزام المشاركين بالعمل المنسق، وطنيا ودوليا، من أجل ترسيخ العدالة الاجتماعية وتعزيز الإنصاف المجالي وبناء مجتمعات أكثر صمودا وتماسكا، مؤكدين أن البرلمان يظل رافعة أساسية لتحويل الالتزامات الدستورية والدولية إلى سياسات عمومية منصفة، قائمة على الحقوق وملموسة الأثر، بما يخدم الكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة للجميع.

تحرير من طرف محمد شلاي
في 09/02/2026 على الساعة 18:00