من خلال مراقبة ردود الفعل الرسمية للسلطات الجزائرية، وتأمل مواقف أبواقها على وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة النقاشات في وسائل إعلامها، يبرز انطباع مقلق: يبدو أن النظام الجزائري يعيش في حالة إنكار تام للواقع. فهو يرفض أن يرى أن المغرب قد انتصر في المعركة الدبلوماسية حول الصحراء. ويرفض الاعتراف بأن الأمر متروك له الآن لتحمل مسؤوليته كـ«طرف أساسي»، مدعو للمشاركة بمسؤولية في تنفيذ مخطط الحكم الذاتي التي أقرها المجتمع الدولي.
هذه الفجوة، من الجانب الجزائري، بين الواقع الدبلوماسي الدولي وأوهام النظام بشأن قضية الصحراء، تثير سلسلة من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الإنكار.
بالنسبة للجزائر، يعد الاعتراف بانتصار المغرب في معركة الصحراء بمثابة اعتراف بفشلها وانهيار استراتيجية تبنتها على مدى عقود. لفترة طويلة، كانت جبهة البوليساريو في قلب الاهتمامات الدبلوماسية الجزائرية، ناهيك عن كونها العمود الفقري لسياستها الإقليمية والدولية. كان كل شيء كان يقاس بمستوى الدعم المقدم لهذه الحركة الانفصالية: حقائب مليئة بأموال النفط للدول المتعاطفة مع «القضية الصحراوية»، نوبات غضب، وتهديدات، وقطيعة مع كل من نأى بنفسه عنها. أصبحت جبهة البوليساريو المقياس الوحيد لنظرة الجزائر للعالم. هاجس غريب لبلد لا تعتبر فيه هذه القضية قضية شعبية، بل هي ملف –أو قضية- الجيش الجزائري.
وهكذا كانت تدار الدبلوماسية الجزائرية. كانت كل الجهود تعبأ لتقويض الوحدة الترابية للمغرب، واستُخدمت جبهة البوليساريو كأداة لهذه المهمة. لم تكن تهم تكلفة هذا المسعى، ولا الثمن السياسي لمثل هذا الانحراف. حتى الرئيس نفسه أقر بأن الموارد الجزائرية تعبئ لمثل هذا الهدف، وأن المصالح الخاصة للجزائريين وشعوب المنطقة تتم التضحية بها: لا تعيرها الجزائر أي اهتمام. ما هو هدفها؟ إقامة كيان مصطنع على التراب المغربي، والتحكم فيه كما تشاء، ومحاولة إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة. هوس مرضي وانتحاري في الآن نفسه.
مع ذلك، فشلت هذه المحاولة فشلا ذريعا. وكانت صدمة هذا الفشل كبيرة لدرجة أنها أثارت ارتيابا عميقا. رفض النظام الجزائري الاعتراف بفشله، والسبب هو أن الاعتراف يعني تقديم الحساب، وسيعجل بلا شك بانهيار نظام ربط، عن قصد أو بغير قصد، بقاءه السياسي بـ«انتصار» المغامرة الانفصالية. واليوم، أمام التوضيح الدولي الكبير بشأن الصحراء، يبدو النظام الجزائري وكأنه قد فقد البوصلة. فهو كالرجل المشنوق يتمسك بكل ما يشبه الحبل لإنقاذ نفسه.
أولا، هناك التواصل والدعاية اللذان يسعيان إلى الترويج لنقيض الواقع: إيهام الناس بأن المغرب لم ينتصر وأن كل شيء لا يزال ممكنا بالنسبة لجبهة البوليساريو. ويظل وزير الخارجية، أحمد عطاف، البطل الأبرز في استراتيجية الإنكار هاته، وقد أصبح مرادفا -بل رمزا- لإنكار الواقع. ويزداد هذا الموقف هشاشةً بالنظر إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أعادت، بقسوة، نبش مقاطع فيديو قديمة أقر فيها، ببصيرة ثاقبة، بالتفوق الحاسم للمغرب في نزاع الصحراء. اليوم، تقاوم الدبلوماسية الجزائرية طواحين الهواء بالأوهام.
قد يكون هذا الرفض للاعتراف بالواقع مجرد عملية تواصلية عابرة، ولكنه لا يمكن تغييره أو تحويله. ومن هنا، يبدو الانطباع في ردود الفعل الجزائرية وكأنه الأغنية الأخيرة للبجع: الرمق الأخير، الحشرجة الأخيرة قبل خروج الروح. لأنه، في نهاية المطاف، سيتعين على الجزائر، عاجلا أم آجلا، أن تتكيف مع الواقع الدولي الجديد وتتقبل دورها كطرف أساسي في هذا النزاع.
يواصل النظام الجزائري التهرب من مسؤولياته لأنه يدرك ثقلها وعواقبها. تتجلى هذه العواقب الآن في ثلاث مشاهد، كل واحد منها أكثر أهمية من سابقيه. يتمثل الأول في العمل على نزع سلاح ميليشيات البوليساريو المتواجدة فوق أراضيه: وهي عملية أمنية بالغة الحساسية. ويتجلى الثاني في السماح للصحراويين المغاربة في مخيمات تندوف باستعادة حريتهم في التنقل تحت دولية. أما الثالث فيتجلى في فتح فصل جديد في العلاقات مع المغرب: استئناف العلاقات الدبلوماسية، وإعادة فتح الحدود البرية والجوية...
ستكون هذه المراحل الثلاث ضرورية لتنفيذ مخطط الحكم الذاتي في إطار المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة. ومهما كانت ألاعيب الدبلوماسية الجزائرية اليوم، ومهما كانت الأكاذيب والأخبار الملفقة التي تحاول تصويرها على أنها حقائق، ومهما كانت الأوهام التي تحاول استغلالها، سيتعين على الجزائر الخضوع لدينامية المجتمع الدولي، تحت طائلة تحمل العواقب -بدءً من احتمال تصنيفها كدولة مارقة، وما يصاحبه من عقوبات وعزلة على المستوى الدولي.

