حوار: رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الحبيب المالكي يضع تصوّراً لـ«المدرسة الجديدة»

الحبيب المالكي، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

في 04/03/2025 على الساعة 10:00

يعد الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الدكتور الحبيب المالكي، أحد رجالات الدولة المغربية وواحداً من الأسماء السياسية الكبيرة في المشهد المعاصر.

ذلك ان تجربته العلمية غزيرة الإنتاج، وتتمتّع بنوع من الاعتراف الكبير من لدن الدولة المركزية. فقد جرى تعيينه من قبل الملك الحسن الثاني وزيراً للفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري ضمن حكومة التناوب التوافقي التي كان يرأسها عبد الرحمان اليوسفي، ثم عين من لدن الملك محمد السادس عام 2004 وزيراً للتربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، حيث سيتم انتخابه بعد ذلك رئيساً لمجس النواب عام 2017 ثم رئيساً للاتحاد البرلماني العربي. هذا بالإضافة إلى انتخابه رئيساً لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظم مؤتمر الإسلامي.

وعُرف عن الحبيب المالكي في كونه من السياسيين الذين طالما أثاروا الانتباه بأفكارهم السياسية ومواقفهم في الدفاع عن الوطن ووحدته. ونظراً للمؤلفات الغزيرة التي كتبها المالكي باللغة الفرنسية حول الاقتصاد، فإنّ ذلك جعل قريباً من النخبة المثقفة. من ثمّ، فهو ليس سياسياً بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ما يجد المرء نفسه أمام سيرة مركّبة تتمازج فيها السياسة بالثقافة. ونظراً لطبيعة تفكير المالكي المنفتح وعشقه الدائم للسؤال الثقافي داخل العمل السياسي، فطن الحبيب المالكي منذ سنوات طويلة إلى قيمة السينما ومكانتها المركزيّة، حيث عمل على تأسيس مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية والذي غدا اليوم يلعب اليوم دوراً ريادياً على مستوى الصناعة السينمائية، خاصّة على مستوى تقريب أواصر الصداقة بين المغرب ومحيطه الإفريقي والعالم الخارجي ككل.

تصوّر «المدرسة الجديدة»

في خرجاتكم الأخيرة ناديتم بـ«المدرسة الجديدة»، كيف ترون وترسمون ملامح المدرسة الجديدة وفق المعطيات التي يفرضها الواقع والتحولات التي باتت تطال المنظومة التعليمية في العالم ككل؟

تعرف منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب مجموعة من التحوّلات وتواجه العديد من التحديات، على غرار سائر بلدان العالم، وذلك بفعل تزايد وثيرة عولمة الاقتصاد وتحديات التطور المتسارع للتكنولوجيات الجديدة. وقد رسم الميثاق الوطني للتربية والتكوين أولى معالم المدرسة المغربية الوطنية الجديدة، كما بوأت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015ـ2030 « المدرسة الجديدة » مكانة مركزية تجعلها في عمق الدينامية المجتمعية وسياساتها العمومية، في مراعاة للتوجهات والاختيارات التي يسلكها المغرب منذ مطلع الألفية الجديدة، وما تعرفه المنظومات التربوية على الصعيد العالمي من تطوّرات ومستجدات.

ومنذ انطلاق ولايته الثانية في دجنبر 2022 ظل انشغال المجلس بإرساء مدرسة جديدة أهم موجّه لأعماله، فشكّل خيطاً ناظماً لمضامين الآراء والتقارير التي أصدرها، وهو ما حدا به أيضاً إلى إحداث مجموعة عمل خاصّة تم تكليفها في يناير 2024 بإعداد وثيقة حول المدرسة الجديدة، تنكب من خلالها على وضع فهم مشترك لهذا المفهوم من رؤيةٍ استشرافية.

وقد تضمّنت الوثيقة التي أعدتها مجموعة العمل الخاصّة تحت عنوان « المدرسة الجديدة، تعاقد مجتمعي جديد من أجل التربية والتكوين » سبع رهانات رئيسية تشكل الأسس الداعمة لتحقيق المدرسة الجديدة، والتي يروم من خلالها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الحسم في الإشكاليات العرضانية العالقة، واقتراح ما تحتاجه المنظومة التربوية على مستوى القطائع الضرورية، لتمكينها من القيام بالاستدراكات اللازمة في أوانها والانفتاح على المستجدات والاستعداد لها.

المجلس الأعلى، فضاء للتربية والتكوين

ـ الأستاذ الحبيب المالكي، بداية، أيّ صورة ترسمها اليوم للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أمام التحوّلات التي باتت تشهدها المنظومة التعليمية داخل بلادنا؟

بخصوص التحولات التي تهم ميدان التربية، والتكوين والبحث العلمي فهي ليست وليدة اليوم، إذْ ما فتئ المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، يولي أهمية قصوى لتدارك الاختلالات التي وسمت المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، أخذاً بعين الاعتبار مختلف التشخيصات والتقييمات الوطنية والمقارنات الدولية المنجزة، بهدف رسم معالم المدرسة المغربية المنشودة التي لخصتها الرؤية الاستراتيجية 2015ـ2030 لإصلاح منظومتنا التربوية في المبادئ الثلاثة المتمثلة في الانصاف والجودة والارتقاء.

ويعمل المجلس منذ إنشائه على تقييم وراسة وتحليل مختلف منجزات المنظومة التربوية ورصد مختلف الاختلالات والإكراهات وتقديم مقترحات وتوصيات من خلال آراء وتقارير ودراسات تقييمية، تشخيصية واستشرافية تهدف مواكبة القطاعات المعنية في رسم وإعمال السياسات العمومية التي من شأنها الرفع من جودة التعلمات في مختلف مستويات المنظومة التربوية.

وظيفة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

ـ باعتبارك رئيساً للمجلس الأعلى. ما الدور الذي يلعبه المجلس على مستوى البحث العلمي؟

يلعب البحث العلمي والتقني والابتكار دوراً أساسياً في تعزيز التنمية البشرية والمستدامة للمغرب وفي انخراطه في مجتمع واقتصاد المعرفة. من هذا المنطلق، ما فتئ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ومنذ إعادة هيكلته وتنظيمه سنة 2014 يولي أهمية قصوى للبحث العلمي والتقني والابتكار وإشكالاته، بوصفه مكوّناً محورياً من مكونات المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي ورافعة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة للبلاد وتعزيز مكانتها وقدرتها التنافسية على الصعيد العالمي.

وتجسيداً لهذا الاهتمام، فإنّ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يضم في هيكلة لجانه الدائمة لجنة متخصصة في مجال البحث العلمي والتقني والابتكار. وتُعنى هذه اللجنة الدائمة لدى المجلس بدراسة مختلف الجوانب التي من شأنها الرفع من جودة البحث العلمي، ولا سيما التنظيم المؤسسي للبحث العلمي، وتمويله، والأولويات التي يجب اعتمادها.

وتنكب هذه اللجنة حالياً على إعداد تقريرين يتعلّق أولهما ببنيات البحث العلمي والتقني في الجامعات المغربية ويهم الثاني موضوع تمويل البحث العلمي، معتمدة في عملها على منهجية تزاوج بين إعمال الخبرات المتخصصة وطنياً ودولياً وإشراك الفاعلين والمتدخلين في هذا المجال. وتروم اللجنة من خلال هذين الموضوعين تقديم نسق متكامل من التوصيات العملية والتي من شأنها تفعليها، أنْ تكون له آثار إيجابية على أداء ومردودية البحث العلمي والتقني والابتكار ببلادنا.

كما تجدر الإشارة إلى أن المجلس قد حدد في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015ـ2030 جملة من الخيارات الاستراتيجية الهادفة إلى الارتقاء بجودة البحث العلمي والتقني والابتكار والتي وردت في الرافعة 14 من الرؤية، يمكن إجمالها في الدعوة إلى بناء نظام وطني ومؤسساتي مندمج بين مؤسسات البحث العلمي والرفع التدريجي من نسبة الناتج الداخلي الخام المخصصة لتمويل البحث العلمي، وتقوية الصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والابتكار وتحفيز الطلبة وتشجيعهم على الانخراط في ممارسة البحث.

هذه الخيارات التي ترجمتها في جزء كبير منها، مقتضيات القانون الإطار 51ـ17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، تبرز مدى حرص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على تقديم توصيات ومقترحات عملية كفيلة بأن تجد طريقها إلى التفعيل من خلال النصوص التنظيمية والتشريعية، وكذا المخططات والبرامج القطاعية لقطاعات التربية والتكوين والبحث العلمي، بما يحقق أهداف المواكبة الفاعلة.

السينما باعتبارها أداة للدبلوماسية الثقافية

ـ على مدار سنوات، عمل الأستاذ الحبيب المالكي على دعم المهرجان الدولي للسينما الإفريقية، ما جعل هذا المهرجان يصبح دعامة دبلوماسية قوية بين المغرب والبلدان الإفريقية. كيف ترى وتُقيّم الدور الذي باتت تلعبه السينما على مستوى توطيد علاقة المغرب مع العالم الخارجي؟

يُعد مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة واحداً من أقدم المهرجانات السينمائية في المغرب وإفريقيا، حيث أنه منذ فترة التأسيس التي تعود الآن إلى ما يفوق 47 سنة، دأب هذا المهرجان على توسيع أنشطته والارتقاء بمحتواها الفني ليعزز مكانته كمنصّة مميزة لصناع السينما من مختلف أنحاء القارة.

ومع مرور السنوات، لم يقتصر دور المهرجان على كونه مجرّد ملتقى فني، بل تجاوز ذلك ليشمل أبعاداً ثقافية واقتصادية ودبلوماسية، مما جعله أحد أبرز معالم الانفتاح المغربي على القارة الإفريقية. واعتباراً للأهداف المتوخاة، يمكن اعتبار أن هذا المهرجان يندرج تماماً في إطار التوجهات الاستراتيجية للمغرب الرامية إلى تعزيز الحضور المغربي في إفريقيا، خاصّة بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017.

فإلى جانب المشاريع الاقتصادية والتجارية، يأتي البعد الثقافي والفني كعنصر أساسي في هذه السياسة، مما يجعل المهرجان وسيلة لتعزيز الهوية الإفريقية المشتركة وتعميق الفهم المتبادل بين الشعوب الإفريقية وذلك من خلال الأدوار المتعددة التي يضطلع بها.

فعلى المستوى الفني والإبداعي، يشكل هرجان خريبكة مناسبة هامّة لصناع الأفلام الأفارقة لعرض أعمالهم والتعريف بقدراتهم الإبداعية. فهو فضاء يحتفي بالسينما الإفريقية ويدعم إنتاجاتها من خلال المسابقات والجوائز التي تحفّز المواهب الجديدة. كما أنّ المهرجان يتيح الفرصة للنقاشات وورشات العمل التي تساهم في تبادل الخبرات بين المخرجين والممثلين والمصورين والمنتجين، مما يعزز تصوّر تطوّر الصناعة.

كما يضطلع المهرجان بالدور الثقافي والتعليمي من خلال العروض السينمائية والندوات الفكرية وورشات التدريب، مما يسهم في نشر الثقافة السينمائية في القارة، خاصة بين الشباب والمهتمين بالفن السابع. كما يتيح فرصة للمتتبعين ولعموم الجمهور التعرّف على تنوع الثقافات الإفريقية، الشيء الذي يساهم في تعزيز التفاهم بين الشعوب الإفريقية وتعميق الوعي بالهوية المشتركة.

أما على المستوى السياسي والاجتماعي، فإنّ المهرجان يساهم بشكل كبير في تقوية الإدراك وتعميق الوعي بالقضايا المجتمعية الملحّة والإشكالات المرتبطة بها في مختلف جهات القارة. فمن خلال اختيار الأفلام التي تتناول قضايا المتجمع والسياسة، مثل الهجرة والفقر والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة، يتيح المهرجان الفرصة لسليط الضوء على التحديات الكبرى التي تواجه القارة، كام يعزز الوعي بالقضايا المشتركة بين الدول الإفريقية، مما يخلق فضاء للحوار والتفكير في الحلول الممكنة.

أما بخصوص العلاقات الخارجية، فإن المهرجان يُعد أداة للدبلوماسية الثقافية التي يعتمدها المغرب لتعزيز علاقاته مع الدول الإفريقية. فهو يعكس التوجّه الاستراتيجي للمغرب لتعزيز حضوره في القارة، خاصة بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي. ذلك أنّه من خلال استضافة المخرجين والممثلين الأفارقة، يسهم المهرجان في توطيد العلاقات الثقافية والفنية بين المغرب وباقي الدول الإفريقية، مما يدعّم التعاون والتبادل الثقافي بين الشعوب.

ولا يقتصر دور مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة على كونه مجرّد حدث سينمائي، بل هو منصّة ثقافية واقتصادية ودبلوماسية تسهم في تعزيز الروابط بين المغرب وإفريقيا، حيث أن هذا المهرجان وهو يحتفي بالإبداع السينمائي ينشر الثقافة السينمائية ويعزز العلاقات بين صناع السينما الأفارقة، مما يجعله نموذجاً ناجحاً للمهرجانات التي تخدم قضايا الفنّ والمجتمع في شموليتها.

تحرير من طرف أشرف الحساني
في 04/03/2025 على الساعة 10:00

مرحبا بكم في فضاء التعليق

نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.

اقرأ ميثاقنا

تعليقاتكم

0/800