سفير تركيا في الجزائر يثير صدمة واسعة: «بين 5% و20% من الجزائريين من أصول تركية»

Muhammet Mucahit Kucukyilmaz , ambassadeur de Turquie en Algérie.

محمد مجاهد كوتشوك يلماز، سفير تركيا في الجزائر

في 22/09/2025 على الساعة 19:35

أثار محمد مجاهد كوتشوك يلماز، سفير تركيا في الجزائر، جدلا واسعا بعد أن ذكّر بالروابط التاريخية التي تجمع بين البلدين، وذلك في حوار مع وكالة الأناضول التركية. حيث أكد أن عدة ملايين من الجزائريين هم من «الكولوغلي»، وهي التسمية التي تُعدّ من أسوأ الإهانات في الجزائر.

من المعروف أن النظام الجزائري شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بالتاريخ. فبالرغم من الحقائق التاريخية الموثقة، يواصل سعيه لإعادة صياغة تاريخ البلاد وصناعة سردية متكاملة عن ماضٍ «مجيد» يهدف من خلالها إلى ترسيخ صورة «المجاهد الثائر»، ذاك المقاتل الفخور الذي لا يخضع ويضحي بنفسه من أجل مبادئه.

لكن، في 17 شتنبر، نسف السفير التركي هذه الرواية المتخيلة حين ذكّر بأن الجزائر، الدولة التي ولدت سنة 1962، تحمل بصمة عثمانية لا تُمحى امتدت لثلاثة قرون، ما بين 1516 و1830، وهي الحقبة التي شهدت تأسيس إيالة الجزائر.

تراث عثماني تتوارثه الجزائر

في معرض حديثه عن العلاقات التاريخية بين البلدين، حرص محمد مجاهد كوتشوك يلماز، في مقابلة مع وكالة أنباء الأناضول، على التذكير بالتأثير التركي على ما يُسمى بالتراث الثقافي الجزائري. وأشار تحديدًا إلى وجود أطباق تركية في المطبخ الجزائري، مثل «البوريك، والبقلاوة، والدولمة، والإرسته، والشكشوكة»، بالإضافة إلى أوجه التشابه في الملابس، والحرف أو الفنون التقليدية، مثل النقش على النحاس، والزخارف، والنقوش المستعملة، التي وصفها بأنها «مألوفة لدينا في الأناضول».

كما اعتبر أن الهندسة المعمارية تعكس بدورها نفس التأثير، قائلا: «عندما تتجولون في أزقة القصبة، يخيل إليكم أنكم تسيرون في أحياء السليمانية أو الفاتح بإسطنبول».

بهذا التذكير القاطع، أعاد السفير التركي النظام الجزائري إلى واقعه التاريخي، في وقت يسعى فيه الأخير إلى الاستحواذ على التراث الثقافي المغربي لتسويقه كجزء من «ثقافة جزائرية» مزعومة، في محاولة لإخفاء الحضور الطاغي للثقافة العثمانية في البلاد.

الحمض النووي التركي لتسعة ملايين جزائري

لم تكن الإشارات الثقافية وحدها هي ما أثار موجة الصدمة، بل إن ما فجّر الجدل هو تأكيد السفير التركي أن «بين 5% و20% من السكان الجزائريين يُقدّر أنهم من أصول تركية».

وأضاف موضحا: «يمكن تمييز هذه العائلات من خلال أسماء مثل ساري، كارا، باروتجو، وتلجي. بعضهم قدم مباشرة من الأناضول، والبعض الآخر ينحدر من عائلات الـ«كولوغلي» (Qul-Oglu)، وهم أحفاد الإنكشاريين» . ولم يفته التذكير بأن أحمد باي، المعروف بدوره في مقاومة الاحتلال الفرنسي، كان بدوره من سلالة الكولوغلي.

في الجزائر، أحدثت هذه التصريحات عاصفة سياسية وإعلامية حقيقية. ورغم محاولات التقليل من شأنها والتشكيك في «إحصائيات غير قابلة للتحقق»، إلا أن وقعها كان بالغا، إلى درجة دفعت بعض المراقبين إلى اعتبارها ليست مجرد «زلة دبلوماسية»، بل خطابا ذا نزعة «عثمانية جديدة» يسعى لإعادة فرض وصاية تاريخية لأنقرة على الجزائر.

والسؤال الذي طرحه كثيرون: ما الذي دفع السفير التركي إلى الإدلاء بهذه التصريحات؟ ألم يكن يدرك أن وصف الجزائري بـ«الكولوغلي» هو أسوأ إهانة يمكن أن توجه إليه؟ فكلمة «Qul-Oglu» تعني حرفيا بالتركية «ابن الخادم» أو «ابن العبد».

ويستشهد الكاتب ألان بوييه في مقاله «مشكلة الكولوغلي في إيالة الجزائر» (1970، مجلة عوالم المسلمين والبحر المتوسط) قائلا: «كان يُطلق لقب كولوغلي على الأطفال المولودين من زواج الأتراك المنتمين للمليشيات العسكرية مع نساء محليات. وبما أن معظم هؤلاء الأتراك كانوا عزابا عند وصولهم إلى الجزائر، فقد تكاثر هذا الجيل من المولّدين بسرعة. غير أن أبناء الأتراك من نساء مسلمات كانوا يُعتبرون أتراكا خالصين، رغم أنهم الأقل مكانة».

ويضيف المصدر نفسه أن «السمة الجوهرية للكولوغلي هي ارتباطهم الوثيق بالعنصر المحلي من جهة الأم، وأحيانا بالنخبة المحلية نفسها. فقد كانت العديد من العائلات الحضرية النافذة تسعى للتحالف مع الأتراك رغم احتقارها لهم في السر، لأن هذا الزواج كان يحميها من تعسف السلطة وصلف بقية الإنكشاريين». ويُذكر أنه «في سنة 1621، بلغ عدد الكولوغلي 5 آلاف مقابل 10 آلاف تركي في مدينة الجزائر وحدها».

بهذه المعطيات، يكون السفير التركي قد وجّه ضربة موجعة – عن قصد أو دونه – لواحدة من أكثر النقاط حساسية في الذاكرة الجماعية الجزائرية، بإحيائه ذكرى تلك الزيجات القديمة بين الإنكشاريين ونساء محليات، واللواتي وُصمن آنذاك بـ«المرتدات».

بين فرنسا وتركيا.. الجزائر تكافح لإثبات وجودها

لم يتوقف محمد مجاهد كوتشوك يلماز عند الحقبة العثمانية، بل تطرق أيضا إلى المرحلة التي أعقبتها، واصفا سنوات 1830 إلى 1962، التي كانت خلالها الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، بـ«السنوات الضائعة».

وأوضح أن تركيا «كانت من أوائل الدول التي اعترفت بالجزائر، حيث افتتحت سفارتها في الجزائر العاصمة سنة 1963»، مذكرا أيضا بالدعم الكبير الذي قدمته للثورة الجزائرية ضد الاستعمار، مضيفا: «أحيانا يحاول البعض الادعاء بأن تركيا لم تدعم كفاح الجزائر، لكن الواقع مغاير لذلك». وهي رسالة مبطنة إلى الجزائريين الذين يعتبرون أن الإمبراطورية العثمانية لم تحرر الجزائر ولم تحمها، بل استغلت مواردها وأضعفت هياكلها وتركتها وحيدة عام 1830 في مواجهة الغزو الفرنسي.

هذه المسألة أثارت في وقت سابق جدلا كبيرا بالجزائر، وبالتحديد سنة 2011، إثر تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتهم فيها فرنسا بارتكاب إبادة في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، بالتزامن مع تبني البرلمان الفرنسي قانونا يعترف بـ«الإبادة الأرمنية».

آنذاك، رد أحمد أويحيى، الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، قائلا عبر وسائل الإعلام: «نقول لأصدقائنا الأتراك أن يتوقفوا عن تحويل استعمار الجزائر إلى تجارة سياسية».

وأضاف: «لكل طرف حرية الدفاع عن مصالحه، لكن لا يحق لأحد أن يتاجر بدماء الجزائريين»، مذكرا بأن تركيا «صوتت في الأمم المتحدة ضد القضية الجزائرية بين 1954 و1962»، أي خلال حرب الاستقلال ضد فرنسا.

وذكّر أيضا بأن «تركيا، التي كانت عضوا في حلف شمال الأطلسي خلال حرب الجزائر وما تزال إلى اليوم، ساهمت من خلال هذا التحالف في توفير وسائل عسكرية لفرنسا في حربها بالجزائر».

اليوم، تعكس تصريحات السفير التركي بالجزائر استمرار الخلافات الجوهرية في الرواية التاريخية بين البلدين، وهو تباين لا يزال يثير الكثير من علامات الاستفهام داخل الجزائر.

أول هذه التساؤلات يدور حول صمت الرئيس عبد المجيد تبون إزاء هذه التصريحات التي وُصفت بـ«الخطيرة»، وهو المعروف بسرعة تحركه لاستدعاء سفير بلاده من باريس عند أي توتر مع فرنسا.

تحرير من طرف زينب ابن زاهير
في 22/09/2025 على الساعة 19:35