يبدو أن عبد المجيد تبون فقد البوصلة؛ فبعد التوترات الحادة التي أثارها جناحه الرئاسي مع جنرالات الجيش، تلتها انتقادات لاذعة كشفت الفشل المعلن لمشروع «غار جبيلات»، وجد الرئيس نفسه في حاجة إلى منصة لتفريغ فائض إحباطه. وفي ظل عجزه عن لقاء الشعب أو زيارة الولايات الجزائرية، حيث يظل غير مرغوب فيه بسبب افتقاده للشرعية في نظر أكثر من 90% من الجزائريين، اختار تبون الشاشة الصغيرة لإثبات وجوده.
أمام مديري صحيفتي «المجاهد» و«الحياة»، لم ينجح تبون في تقديم حجج مقنعة حول الربحية المفترضة لمناجم «غار جبيلات». وقد أصبح هذا الملف حساسا للغاية عقب سجن الخبير الاقتصادي جلول سلامة، الذي أثبت علميا أن استغلال الحديد الجزائري غير مربح، لا على المدى القريب ولا المتوسط. وأمام ما يشبه الهاوية المالية، انتهى الأمر بتبون إلى الاعتراف بلجوء بلاده إلى اقتراض 3 مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية.
كما أن الاستقبال الذي خصه الرئيس الأسبوع الماضي لكريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يشي باحتمال تقديم طلب قرض من المؤسسة الدولية. هذا التوجه يضع تبون في موقف محرج، وهو الذي ظل يروج طويلا بأن الجزائر لن تقترض أبدا، ليجد نفسه اليوم في مواجهة الانخفاض الحاد في أسعار النفط والغاز، اللذين تعتمد عليهما البلاد بشكل كلي. هذا المنعطف يناقض خطابه المعتاد الذي يزعم فيه أن المديونية تضعف السيادة الوطنية، وهي الورقة التي يعتبرها ضرورية للحفاظ على موقف النظام في ملفي الصحراء وفلسطين.
وفي محاولة للتهوين من شأن القرض المتعاقد عليه مع البنك الإفريقي للتنمية، وصف الرئيس الجزائري تكلفة خدمة هذا الدين بالزهيدة، مدعيا أن الجزائر هي المساهم الأول في البنك، بينما يعود هذا الترتيب في الواقع إلى نيجيريا ومصر. وكرر تبون أسطوانته المعتادة حول عدم السماح للدين بعرقلة السيادة الجزائرية، خاصة في ما يتعلق بـ«الدفاع عن القضية الفلسطينية»، لكنه لم يأت على ذكر «القضية الصحراوية» التي اعتاد ربطها دائما بفلسطين.
وخلال مداخلته، غاب ذكر المغرب والصحراء تماما، وهو صمت قد يكون مرتبطا بزيارة مسعد بولس، المستشار السياسي لدونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، إلى الجزائر، رغم محاولة تبون حصر هذا اللقاء في إطاره الثنائي الصرف.
لقد شكلت الشتائم والتهديدات الجوهر الأساسي لحديث تبون. وإذا كان من الممكن فهم هجومه على المعارض الجزائري «أمير دي زاد» الذي وصفه بـ«الصعلوك» عبر قناة «فرانس 2» في برنامج «تحقيق خاص» حول ممارسات المخابرات الجزائرية ضد المعارضين في فرنسا؛ فإن ما لا يمكن فهمه هو هجوم تبون العنيف على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وصفها بـ«الدويلة» التي تتدخل في أدق تفاصيل الشؤون الجزائرية.
إنها إهانة مذهلة لا تليق برئيس دولة؛ فكما جرت العادة، وحتى في أحلك الظروف، لم يسبق لرئيس أن أهان دولة بالسخرية من مساحتها. ورغم عمليات الحذف في المونتاج لهذا اللقاء مع صحفيين مهادنين، إلا أن المقاطع المعتمدة تظهر أن تبون لا يملك السيطرة على أعصابه، وبالأحرى لا يتقن التحدث كرجل دولة.
علاوة على ذلك، بلغت الأزمة بين الجزائر وأبوظبي طريقا مسدودا، حيث تمثلت آخر فصولها في إلغاء الجزائر للاتفاق الجوي الموقع منذ عام 2013، وهو قرار يمنع طائرات البلدين من عبور الأجواء أو الهبوط، مما ينذر باحتمال قطع العلاقات الدبلوماسية من طرف واحد.
وفي كلمة غلبت عليها لهجة التهديد، وجه تبون تحذيرات للقادة الإماراتيين بلغة «شوارعية»، قائلا: «لا تجعلوني أندم على اليوم الذي عرفتكم فيه»، وأضاف: «من يريد إذلال الجزائر لم يولد بعد». لكن، هل هناك إذلال للجزائر أكبر من أن يقودها رئيس لا يرقى لمستوى المنصب الذي يشغله؟








