بصدمة مشوبة بسخرية لاذعة، تداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة رسمية تحمل أختاما وإمضاءات، تعلن عن قرعة لمنح 10 قسائم من «لحم العجل» لفائدة 10 موظفين.
ولم ينس المنظمون تغليف هذه المهزلة بعبارات رنانة حول «ترسيخ روح التضامن والأخوة داخل الأسرة المهنية»، وكأن التضامن لا يتحقق إلا باختبار حظ الموظف في الفوز بقطعة لحم يغلب عليها الشحم، في مشهد يختصر المسافة بين الكرامة والمهانة.

سخرية بمرارة الواقع
اجتاحت موجة من التهكم منصات التواصل، حيث تساءل مغردون: «هل وصلنا إلى زمن صار فيه الظفر بكيلوغرام من اللحم يتطلب الحظ والقرعة وكأننا ننافس على شقة أو سيارة؟»، بينما علق آخر ساخرا: «تخيلوا الموظف يقف أمام زملائه بانتظار خروج اسمه من الكيس ليفوز بقطعة لحم.. مشهد يختصر المأساة والمهزلة في آن واحد».
وذهب البعض أبعد من ذلك بالتساؤل عما إذا كان سيتم تنظيم حفل تسليم الجوائز بحضور القنوات وكبار المسؤولين لتوثيق هذه «اللحظة التاريخية».
واقع بئيس خلف الشعارات
بعيدا عن لغة «الزعامات الكرتونية» وشعارات «القوة الضاربة» التي تصدع الرؤوس ليلا ونهارا، تأتي هذه الواقعة لتعري هشاشة الواقع المعيش في بلد يسبح فوق بحار من النفط والغاز. فأن يتحول اللحم إلى «حلم» يخضع للمراسم والسحب، هو اعتراف رسمي صريح بأن السياسات الفاشلة أفقرت العباد وحولت الضروريات إلى كماليات بعيدة المنال.
ويرى متتبعون للشأن الجزائري أن هذه «الطومبولا» ليست مجرد حدث عابر، بل هي تجسيد حي لـ«أزمة الوفرة» الكاذبة؛ فبينما تتحدث التقارير الرسمية عن «نهضة فلاحية» و«اكتفاء ذاتي»، تكشف طوابير الحليب والزيت والآن «قرعة اللحم» أن المواطن يعيش في ظل نظام يجيد صناعة الندرة وتدبير الجوع.
كذبة شعار الاكتفاء الذاتي
بدل المطالبة برفع الأجور وحماية كرامة الشغيلة، تكتفي النقابة بدور «الموزع البئيس» لفتات الموائد، مما يكرس صورة الدولة الريعية التي تتعامل مع شعبها بمنطق «المِنح» المذلة. إن وصول موظف في قطاع الصحة إلى انتظار قرعة ليفوز بقطعة لحم، هو مؤشر خطير على تآكل الطبقة الوسطى وانحدارها نحو حافة الفقر الممنهج.
لا يمكن اعتبار «طومبولا اللحم» في الجزائر مجرد زلة إدارية أو مبادرة عفوية، بل هي «شهادة وفاة» رسمية لشعارات الاكتفاء الذاتي المزعوم في بلاد تملك من الغاز والنفط ما يكفي لإطعام قارة بأكملها.
إنها صورة مرعبة تلخص كيف حولت السياسات الفاشلة والمغامرات السياسية مواطني بلد غني إلى مجرد «مقامرين» على لقمة العيش، حيث أصبحت كرامة العامل معلقة في كيس قرعة، ينتظر خروج اسمه ليفوز بما يسد به رمق أسرته.
وبينما ينشغل حكام المرادية بتسويق أوهام الزعامة القارية، تكشف هذه القسيمة الممهورة بختم «الإهانة» أن الحقيقة الوحيدة المتبقية هي واقع الطوابير والندرة، وأن القوة الضاربة الوحيدة هنا هي التي استهدفت جيب المواطن وكرامته في آن واحد.








