أصيبت الأذرع الإعلامية الرسمية والموالية للسلطة في الجزائر بما يشبه «السعار» مباشرة عقب الإعلان عن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للفاتيكان، المقررة يوم الجمعة 10 أبريل، حيث شنت هجوما كاسحا عكس حالة من «التوجس الإعلامي» تجاه تحركات قاطن الإليزيه.
واعتبرت هذه المنابر أن توقيت زيارة ماكرون للفاتيكان، الذي يسبق توجه البابا للجزائر بساعات قليلة، يتجاوز الصدفة البروتوكولية ليكون محاولة صريحة لتوظيف المقام البابوي في ملف قضائي شائك.
واتهمت الصحافة الجزائرية ماكرون بالسعي لـ«تسميم» أجواء الزيارة البابوية عبر «استجداء وساطة روحية» لانتزاع عفو عن الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، القابع في السجون الجزائرية منذ عام 2024 بتهمة «تمجيد الإرهاب».
وبرأي هذه الوسائل الإعلامية، فإن إقحام الفاتيكان في قضايا تمس الأمن القومي يمثل «سقطة دبلوماسية ووقاحة سياسية» تتجاوز الأعراف الدولية، وتعكس حجم الضيق الذي يعيشه الرئيس الفرنسي في مواجهة «العناد السيادي» لقصر المرادية.
وفي قراءتها لهذه التحركات، وصفت المنابر المحسوبة على النظام الجزائري مبادرة الإليزيه بـ«التشويش المتعمد» والقائم على استغلال الرموز الدينية لتصفية حسابات سياسية ضيقة.
وجزمت هذه التقارير بأن ماكرون «سيسبب حرجا كبيرا للبابا ليون الرابع عشر، الذي سيجد صعوبة بالغة في إقناع الجزائر بالتجاوب مع رغبة باريس»، خاصة في ظل إصرار الدولة على أن الملف قضائي وأمني بامتياز ولا يقبل أي نوع من «المساومة».
مفارقة صارخة
تتجلى المفارقة الصارخة في سعي السلطة لتسويق زيارة البابا كواجهة لـ«الانفتاح»، في وقت تضيق فيه السجون بالمعارضين والصحفيين، لتبقى شواهد حية على الطبيعة المتصلبة للنظام الحاكم.
وما قضية الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، الذي دخل البلاد حاملا كاميرته لينتهي به المطاف متهما بـ«تمجيد الإرهاب» لمجرد تواصله مع أطراف معارضة، إلا تجسيدا جليا لاختلال موازين العدالة وتوظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية.
هذا التناقض الصارخ يضع المصداقية الدولية للجزائر على المحك؛ إذ يطرح تساؤلا جوهريا حول كيفية استقامة التبشير بـ«قيم الحوار» والتعايش أمام الكاميرات، مع استمرار تجريم «فعل السؤال» الصحفي ومصادرة حق الاختلاف خلف القضبان.
خطاب التسامح والواقع المقموع
بالغ الإعلام الجزائري كثيرا في تقديم الزيارة البابوية كـ«انتصار دبلوماسي» يكسر العزلة الدولية، لكنه يتجاهل أن المنظمات الحقوقية ترصد بدقة هذا «الانفصام» في المعايير.
فالبابا الذي يأتي حاملا رسائل السلام، سيجد نفسه في قلب بيئة يطارد فيها الصحفيون بتهم فضفاضة مثل «المساس بالوحدة الوطنية».
إقرأ أيضا : أكثر من 230 معتقل رأي.. حملة دولية تكشف اتساع خريطة القمع في الجزائر
هنا، تبرز زيارة الفاتيكان ليس كشهادة براءة، بل كمرآة عاكسة للفجوة الواسعة بين «الخطاب التسامحي» الموجه للاستهلاك الخارجي، و«الواقع القمعي» الذي يمثله بقاء غليز خلف القضبان رغم الضغوط الدولية المكثفة.
«قداسة» البابا و«خطايا» النظام
تصل الجزائر إلى موعد الزيارة البابوية وهي تدير «واجهة انفتاح» دعائية، تحاول من خلالها مواراة عمق القيود المسلطة على الكلمة وحصار العمل الصحفي.
وأمام هذا المشهد، يبقى الرهان الأخير معلقا على ما قد تسفر عنه «التفاتة الرحمة»؛ فهل تلجأ السلطة لاستغلال الحضور البابوي لتمرير «عفو رئاسي» عن غليز، تضرب به عصفورين بحجر واحد: التخلص من عبء قضية دولية استنزفت رصيدها الحقوقي، وترميم صورتها المتآكلة عبر الظهور بمظهر الدولة «الرحيمة» تماشيا مع الرمزية الروحية للزيارة؟
إن الأيام القليلة القادمة كفيلة بكشف الحقيقة؛ فإما أن ينجح رداء البابا الأبيض في التغطية على سواد السجلات الحقوقية للنظام الجزائري ولو لحين، أو تظل «أرض التعايش» المزعومة تضيق بكلمة صحفي وتكشف زيف شعارات الانفتاح الموجهة للاستهلاك الخارجي.
