وجد المواطن الجزائري نفسه -مع مطلع شهر رمضان 2026- مجبرا على ممارسة رياضة «الاصطفاف» للحصول على كيس ملح واحد، بعدما اعتمد مسيرو المتاجر نظام «تسقيف المبيعات». وبات الحصول على حفنة ملح غاية لا تدرك في بلد طالما رفع مسؤولوه شعارات «السيادة الغذائية» في كل مجال، إلا في الواقع.
بيد أن المفارقة تكمن في أن الجزائر، التي تملك ملاحات وسباخا تمتد على آلاف الهكتارات وتنتج نظريا ما يفوق نصف مليون طن سنويا، باتت عاجزة عن ضبط مسار كيس ملح من المصنع إلى رف الدكان في العاصمة وضواحيها.
وبينما تنشغل الماكينة الإعلامية الرسمية ببيع «الوهم» وصناعة الأعداء الوهميين وراء الحدود، تكتشف السلطات فجأة أن وحدة إنتاج كبرى في الوادي كانت تبيع للمواطنين ملحا «بلا يود» لسنوات، ليكون الحل العبقري هو غلق المصنع دون توفير البديل، وترك الشعب يواجه «أزمة ملوحة» في بلد يطل على بحر من الأملاح.
غضب ممزوج بالسخرية
لم تمر أزمة الملح دون أن تفجر بركانا من الغضب الشعبي الممزوج بـ«التهكم» المرير على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تساءل الجزائريون بمرارة: «إذا كان الملح قد اختفى، فماذا سيسرق اللصوص في المرة القادمة؟».
وسرعان ما تحول الغضب إلى موجة سخرية عارمة استهدفت طبيعة الحلول الرسمية، حيث توقع نشطاء في إطار «الحلول التبونية الجاهزة» أن يخرج الرئيس قريبا ليزف للشعب «بشرى» جديدة، داعيا إياهم إلى التوجه نحو الشواطئ واغتراف مياه البحر لاستعمالها مباشرة في الطبخ، كخيار استراتيجي لتفادي النقص الحاصل وضرب «المؤامرة الخارجية» التي تستهدف ملوحة القدر الجزائري.
بالنسبة لهؤلاء، لم يعد مستبعدا أن تصبح «تكنولوجيا ماء البحر» هي الرد القادم على فشل المنظومة الإنتاجية، في بلد يملك 1200 كيلومتر من السواحل لكنه يعجز عن توفير «حفنة ملح» لمواطنيه.
اللافت أن الإعلام الجزائري أعمى عينه كالعادة عن رصد معاناة المواطنين بسبب أزمة الملح التي أفقدت طعامهم طعمه ومذاقه، وظل صامتا إلى غاية يوم 26 فبراير، حيث انبرى يكذب ما وصفه بـ«الشائعات»، مدعيا على لسان المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك أن «ضغط الطلب على مادة الملح بدأ يشهد انفراجا تدريجيا، بعد انتشار شائعات أثارت القلق بين المواطنين وتزايد سلوك الشراء المفرط لبعض المستهلكين».
«طابورستان».. القائمة تتسع
لم يعد الملح سوى الوافد الجديد على «جمهورية طابورستان» العظمى، لينضم بوقار إلى القائمة العتيدة التي حولت حياة المواطن الجزائري إلى سلسلة من الوقوف الأبدي.
لقد أصبحت الطوابير في الجزائر «ماركة مسجلة» تتجاوز كونها أزمة تموين، لتغدو طقسا يوميا يمارسه الشعب تحت شمس الحقيقة المرة.
تبدأ الحكاية بـ«طابور الفجر» المقدس، حيث يصطف المواطنون في طوابير كنسية بانتظار شاحنة الحليب المدعم التي تحولت إلى «أسطورة» يتناقل الركبان أخبار وصولها، ثم تتواصل الرحلة مع «طابور الصبر الاستراتيجي» للظفر بعبوة زيت، وصولا إلى «طابور الوجاهة» الذي فرضته ندرة الموز واللحوم المستوردة، حيث يقف رب الأسرة لساعات من أجل «قطعة لحم برازيلية» تذكره بأن ثروات الغاز والنفط لم تنجح في توفير خروف محلي بسعر معقول.
هذه الطوابير التي تمددت حتى وصلت إلى مراكز البريد، حيث يقضي المتقاعدون خريف عمرهم في «طابور السيولة» المهين من أجل حفنة دنانير لا تسمن ولا تغني من جوع.. لم تعد مجرد مشكلة لوجستية، بل أصبحت «عنوانا للفشل» في إدارة دولة تنفق الملايير على التسلح والبروباغاندا، بينما يعجز نظامها عن تنظيم دور المواطن في الحصول على كيس دقيق أو حفنة ملح.
إنها الطوابير التي تعمق معاناة المواطن وتؤكد أن «القوة الضاربة» قد ضربت بالفعل، لكنها ضربت القدرة الشرائية وكرامة الإنسان في مقتل، لتصبح الجزائر اليوم «متحفا مفتوحا» للطوابير التي لا تنتهي، في مفارقة مأساوية لبلد يطمح لريادة العالم وهو لا يزال يبحث عن مخرج لمتاهة «كيس حليب وحفنة ملح».
أولويات «السيادة» بين السلاح والملاح
بينما لا يفتأ النظام العسكري في رصد الميزانيات الضخمة لشراء الولاءات الخارجية وتمويل الأجندات التي تستهدف استقرار الجوار، يفشل فشلا ذريعا في اختبار تحقيق «السيادة الغذائية» الذي طالما رفعه سدنة النظام تبجحا لا غير.
إذ أن العجز عن تدبير سلسلة توزيع بسيطة، أو ضمان معايير الجودة في مادة بدائية كالملح، يكشف عورة نظام يتقن ضجيج الشعارات ويفشل في تدبير شؤون المعيش اليومي.
إنها القصة الجزائرية المتكررة؛ نظام يطمح لقيادة القارة، لكنه يقف عاجزا أمام «طابور» يبحث عن كيس ملح ليملح به جراح واقع اجتماعي يزداد مرارة يوما بعد يوم. وبدلا من «تصدير» الدروس للجيران، ربما حان الوقت لاستيراد القليل من الحكمة في تدبير الأسواق، بدلا من ترك المواطن يذوب في طوابير الانتظار كما يذوب الملح في الماء.








