اهتزت مدينة البليدة، القريبة من العاصمة الجزائر، على وقع تفجيرين انتحاريين، في تطور أمني خطير تزامن مع انطلاق زيارة رسمية للبابا ليون الرابع عشر إلى البلاد، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول الجاهزية الأمنية في ظرف بالغ الحساسية.
ووفق ما نقلته مجلة «ماريان» الفرنسية عبر موقعها الإلكتروني، فإن الهجومين اللذين استهدفا مديرية الأمن في قلب المدينة ومنشأة للصناعات الغذائية، جاءا في اللحظة التي كانت تفتح فيها البلاد أبوابها لاستقبال البابا ليون الرابع عشر، في زيارة رسمية وصفت بالتاريخية.
وحسب صفحات جزائرية، فقد استهدف التفجير الأول مقر مديرية الأمن وسط مدينة البليدة، قبل أن يعقبه تفجير ثان قرب شركة للصناعات الغذائية في الولاية نفسها، في سيناريو يعكس تنسيقا لافتا وتخطيطا مسبقا، ويطرح فرضية وجود اختراق أمني في واحدة من أكثر الفترات التي يُفترض أن تعرف استنفارا أمنيا مشددا.
ويكتسي هذا الحادث طابعا استثنائيا، ليس فقط بسبب طبيعته المزدوجة، بل أيضا لتزامنه مع حدث دولي بارز يتمثل في الزيارة الرسمية للبابا، التي انطلقت اليوم في إطار جولة إفريقية تشمل عدة دول، وهي زيارة يراد لها أن تحمل أبعادا دينية ودبلوماسية، وتستقطب اهتماما إعلاميا دوليا واسعا.
ويضع هذا التزامن الدقيق بين التفجيرات والزيارة البابوية السلطات الجزائرية أمام اختبار أمني حقيقي، ويضاعف من حجم الإحراج، خاصة أن مثل هذه المناسبات عادة ما تُؤمَّن بإجراءات مشددة واستثنائية، كما أن استهداف موقع أمني في التفجير الأول، ثم منشأة مدنية في التفجير الثاني، يوسع من دلالات الرسائل المحتملة وراء الهجوم، سواء داخليا أو خارجيا.
وفي الوقت الذي وثّقت فيه وسائل إعلام رسمية وصول البابا إلى الجزائر وتنقله في العاصمة، بما في ذلك زيارة جامع الجزائر، كانت ولاية البليدة تعيش على وقع صدمة أمنية تعيد إلى الأذهان تحديات الاستقرار، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة الأجهزة الأمنية على تحصين المجال الترابي خلال الأحداث الكبرى.
إقرأ أيضا : أزمة عطش تربك زيارة البابا إلى الجزائر: تبون يقيل وزير الري بسبب حرمانه من النوم ثلاثة أيام
ويرى متتبعون أن هذا التطور لا يمكن فصله عن سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تسعى مثل هذه العمليات إلى لفت الانتباه، وإحداث صدى إعلامي واسع، خصوصا عندما تتزامن مع زيارات ذات رمزية عالية، كالزيارة البابوية التي ترفع شعارات الحوار الديني والتعايش.
وإلى حدود الساعة، لا تزال الحصيلة النهائية للتفجيرين غير واضحة، كما لم تتكشف بعد الخلفيات الكاملة أو الجهة المسؤولة، غير أن المؤكد هو أن الجزائر وجدت نفسها، منذ الساعات الأولى لهذه الزيارة، أمام وضع أمني دقيق يفرض تعبئة شاملة، ويعيد طرح أسئلة الاختراقات المحتملة وفعالية منظومة اليقظة الأمنية، إذ يبدو أن تفجيرات البليدة لم تكن حادثا معزولا، بل حدثا ذا حمولة رمزية ثقيلة، بالنظر إلى توقيته وسياقه، ما قد يلقي بظلاله على مجريات الزيارة البابوية، ويجعل من الأمن أولوية قصوى في الأيام المقبلة.
إقرأ أيضا : زيارة البابا إلى الجزائر.. هل ينجح البابا ليون الرابع عشر في إطلاق سراح الصحفي الفرنسي كريستوف غليز؟
ويسجل هذا الهجوم كأول عمل إرهابي بهذا النمط تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، ويأتي توقيته الحساس في لحظة كان يفترض أن يطبعها الحوار بوجود الحبر الأعظم.
وتعيد هذه العودة المفاجئة للعنف إلى الأذهان حقبة العشرية السوداء التي امتدت بين عامي 1992 و2002، وهي الفترة التي شهدت هجمات دموية خلفت نحو 200 ألف قتيل وفق الأرقام الرسمية، في ذاكرة جماعية لا تزال جراحها لم تندمل بعد.
