يشهد منتدى مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا تقدما سريعا، مع تأكيدات وانسحابات، بما في ذلك انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يمكن وصفه بالمقاطعة، فضلا عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لا يزال متابعا بموجب مذكرة توقيف صادرة من المحكمة الجنائية الدولية. كما تأكد عدم حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ قمة مجموعة العشرين في بريتوريا، المقرر انعقادها في 22 نونبر 2025.
تحت شعار: «التضامن والمساواة والاستدامة»، يعد المنتدى باتخاذ عدة قرارات للتقدم في ما يتعلق بقضايا مختلفة مرتبطة بتخفيف أعباء الديون عن الدول النامية، وتمويل التكيف مع التغيرات المناخية، والنمو الشامل.
يوم 21 نونبر 2025، ستكون جوهانسبرغ محور نقاشات عالمية حول الاستثمار في الطاقة في إفريقيا، وذلك بفضل منتدى مجموعة العشرين الذي تنظمه غرفة الطاقة الإفريقية. يجمع هذا المنتدى أصحاب القرار والمستثمرين وممثلين دوليين لإعطاء دينامية جديدة في قطاع الطاقة الأفريقي، بهدف تعزيز الاستثمارات واسعة النطاق وتسريع عملية الانتقال الطاقي في القارة.
وفي هذا السياق، تقدر غرفة الطاقة الإفريقية أن القارة ستحتاج إلى استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في قطاع الطاقة بحلول عام 2050. ويتعلق الأمر بصناعة النفط والغاز الذي يشمل نقل وتكرير وتخزين وتوزيع وتسويق المنتجات النهائية (البنزين والديزل والكيروسين، إلخ).
وفي السياق الإفريقي، يشمل هذا القطاع معامل تكرير النفط الخام وتحويله إلى محروقات، والبنية التحتية اللوجستية التي تضمن نقله، وشبكات التوزيع التي تصل إلى المستهلكين النهائيين. ويتمثل الهدف المعلن في تطوير سلاسل قيمة محلية للمواد الخام من أجل تقليل الواردات، وتأمين الإمدادات، وإنشاء سلاسل قيمة جهوية.
وأمام الطلب المتوقع على المنتجات المكررة والذي يبلغ 6 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2050، بزيادة قدرها 50% مقارنةً بعام 2024 (4 ملايين برميل يوميا في عام 2024 مقابل 6 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2050)، مدفوعا بالنمو الديمغرافي وزيادة النشاط الاقتصادي، تحدث الاستثمارات التي تستهدف معامل التكرير وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين تحولا جذريا في التوازنات الاقتصادية الجهوية.
وهذا يدعم ما أكدته غرفة الطاقة الإفريقية، التي تشير إلى زيادة غير مسبوقة في الاستثمار وتسارع استراتيجي في قطاع الطاقة الإفريقي، مما يجعله أولوية قصوى للعديد من الدول. في ظل هذه الدينامية، من المتوقع أن يصل استهلاك البنزين إلى 2.2 مليون برميل يوميا بحلول عام 2050، وأن يزداد استهلاك الديزل بنسبة 50%، وأن ينمو استهلاك الكيروسين ووقود الطائرات بنسبة 65% ليصل إلى 465 ألف برميل يوميا خلال الفترة ذاتها.
لتلبية هذا الطلب المتزايد، يسلط تقرير «حالة الطاقة في إفريقيا 2026»، الصادر عن غرفة الطاقة الإفريقية، الضوء على الحاجة إلى استثمار 20 مليار دولار في البنية التحتية بحلول عام 2050. وينبغي لمنتدى مجموعة العشرين أن يلعب دورا محوريا في التقريب بين الرأسمال الدولي والمشاريع الإفريقية في قطاع تحويل النفط. يشهد قطاع التكرير الإفريقي تحولا هيكليا، يتجسد في مشاريع رائدة ذات آثار اقتصادية عميقة.
في نيجيريا، تهدف مصفاة دانغوتي، بطاقة تشغيلية تبلغ 650 ألف برميل يوميا، وتوسعتها المخطط لها إلى 1.4 مليون برميل يوميا، إلى الحد من الاعتماد التاريخي على واردات المحروقات، التي تمثل حاليا أكثر من 80% من الاستهلاك الوطني. يرسخ هذا المشروع الضخم للبنية التحتية مكانة البلاد كمصدر في المستقبل، مما يحفز الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي.
أما أنغولا، بافتتاح مصفاة كابيندا (30.000 برميل يوميا) وتطوير مصفاة لوبيتو (200.000 برميل يوميا) ومصفاة سويو (100.000 برميل يوميا)، فتبني منظومة متكاملة تستهدف الطلب المحلي والجهوي، وهو حجر الزاوية في استراتيجيتها لتنويع مصادر الدخل بعد النفط الخام.
في السنغال، يهدف مشروع إنشاء مصفاة ثانية، إلى جانب وحدة بتروكيماوية، إلى مضاعفة طاقة شركة التكرير الأفريقية خمس مرات (من 1.5 إلى 5 ملايين طن سنويا)، محدثا مركزا صناعيا ينتج منتجات ذات قيمة مضافة عالية و يثمن النفط الخام المحلي.
وبالموازاة مع ذلك، من المنتظر أن تنهي جمهورية الكونغو أشغال مصفاة فوتا (2.5 مليون طن سنويا) بحلول نهاية عام 2025، بينما تعيد جنوب إفريقيا تأهيل مصفاة سابريف في ديربان لزيادة طاقتها ثلاث مرات (من 180.000 إلى 600.000 برميل يوميا). تقوي هذه المبادرات مجتمعةً الاكتفاء الذاتي الجهوي من المنتجات البترولية، وتخفض بشكل كبير تكاليف اللوجستيات بين البلدان الأفريقية، مما يرسي أسس التصنيع الصامد.
في الوقت نفسه، تبرز البنية التحتية لنقل المحروقات كعاملٍ حاسم في الاندماج الاقتصادي الإفريقي. سيعبر خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب (25 مليار دولار)، الذي تشرف عليه شركة مشروع الغاز النيجيري المغربي، التي تأسست في أكتوبر 2025، 13 دولةً على طول ساحل المحيط الأطلسي، ليربط الحقول النيجيرية بالأسواق الأوروبية، ويزود غرب إفريقيا بالغاز.
وإضافةً إلى ذلك، يعزز خط أنابيب الغاز بين نيجيريا وغينيا الاستوائية تجارة الغاز الطبيعي المسال عبر الحدود، محسنا استغلال احتياطيات الغاز غير المستغلة بالشكل الكافي.
وفي الشرق، يمكن خط أنابيب النفط، بطول 1443 كيلومترا، والذي يربط حقلي كينغفيشر وتيلينجا الأوغنديين بميناء تانغا التنزاني (الذي سيبدأ العمل في عام 2026)، الولوج البحري لأوغندا، وهي دولةٌ غير ساحلية، محدثا نقلةً نوعيةً في اللوجستيك الجهوي.
وأخيرا، يؤمن خط أنابيب النفط بوانت-نوار-لوتيت-مالوجو-تريشوت، الناتج عن اتفاقية بين جمهورية الكونغو وروسيا، نقل النفط الخام الكونغولي إلى الأسواق العالمية. وهكذا، تجسد مشاريع معامل التكرير السبعة ومشاريع خطوط الأنابيب الأربعة هذه إعادة الهيكلة الاستراتيجية الجارية للبنية التحتية الطاقية في إفريقيا.
تعد ممرات الطاقة، إلى جانب تسهيل توزيع الوقود جهويا، وخفض تكاليف التشغيل، ودعم التنافسية الاقتصادية، وتعزيز سلاسل التوريد البينية الأفريقية، تجسيدا لجيوسياسية أفريقية جديدة في مجال الطاقة.
تحفز دينامية الاستثمار في القطاع الطاقي في إفريقيا تحولا اقتصاديا شاملا. سيسمح الانخفاض الكبير في نفقات العملة الأجنبية -مما يحرر أكثر من 30 مليار دولار تهدر سنويا على واردات المحروقات- للدول بإعادة استثمار هذه الأموال في قطاعات حيوية مثل التعليم والبنيات التحتية.
يتجسد خلق القيمة المحلية في مجمعات البتروكيماويات المتكاملة، التي تولد صناعات مشتقة استراتيجية (البلاستيك والأسمدة) وتحفز تشغيل أشخاص ذوي مهارات عالية.
يتسارع اندماح الأسواق من خلال البنية التحتية العابرة للحدود الوطنية (خطوط الأنابيب)، مما يخفض تكاليف لوجستيات التجارة البينية الأفريقية بنسبة تتراوح بين 15% و30%، ويعزز القدرة التنافسية في ظل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية. وأخيرا، تهيئ الاستثمارات البالغة 20 مليار دولار اللازمة بحلول عام 2050 بيئة خصبة، تتيح للمستثمرين مداخيل متناسبة مع المخاطر من خلال أصول مهيكلة طويلة الأمد.
ومع ذلك، يخفي هذا الطموح المعلن نقاط ضعف تتطلب يقظةً متزايدة. ولا يزال التمويل يمثل نقطة حرجة: فالنداءات المتكررة للرأسمال الدولي، بما في ذلك من منتدى مجموعة العشرين، تكشف عن ضعف الميزانيات الوطنية وتقلب الالتزامات الخارجية. وتتزايد المخاطر الجيوسياسية، وكذلك المخاطر بالنسبة للدول أمام التقلبات الدبلوماسية.
وكما أشار إن جي أيوك، الرئيس التنفيذي لغرفة الطاقة الأفريقية، فإن « أفريقيا لا يمكنها بناء مستقبل طاقي آمن إذا ظلت معتمدة على الوقود المستورد ». ويذكر هذا التحذير بأن تثمين النفط الخام المحلي والولوج إلى الطاقة لن يتحققا إلا بالتغلب على هذه العقبات البنيوية.
وهكذا، تمثل مشاريع الطاقة هذه نقطة تحول تاريخية: تحويل « لعنة الموارد » إلى رافعة صناعية لأفريقيا.
إن الآثار المترتبة على الفاعلين الاقتصاديين ملموسة ومتعددة. ستشهد الدول انخفاضا في ميزانياتها نتيجةً لخفض دعم المحروقات -الذي أصبح ممكنا بفضل الإنتاج المحلي التنافسي- مع ضمان تأمين إمداداتها من الطاقة في الوقت نفسه. سيتمكن الصناعيون من الولوج إلى منافذ مضمونة للنفط الخام الأفريقي وأسواق إقليمية جديدة للمنتجات المكررة، مما يحفز سلاسل القيمة الصناعية. سيكتشف المستثمرون آفاقا من المداخيل المستدامة في الأصول الاستراتيجية (معامل التكرير وخطوط الأنابيب)، مع تأثير مضاعف على الاقتصاد الحقيقي من خلال خلق فرص الشغل والتنويع.
تتطلب خارطة الطريق التي وضعتها غرفة الطاقة الأفريقي الآن التنفيذ الصارم، وتجنبا للمخاطر السابقة (تجاوز التكاليف، والجداول الزمنية غير الواقعية) لضمان استدامة هذه الدينامية الطاقية. وفي آخر المطاف، سيقاس النجاح بمعيار السيادة المحققة.








