غلاء اللحوم الحمراء بالمغرب: لماذا فشلت أموال الدعم في خفض الأسعار؟

ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب

في 08/04/2026 على الساعة 09:00

تواصل أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المغربية تسجيل مستويات قياسية مع اقتراب عيد الأضحى، وسط جدل واسع حول أسباب هذا الغلاء ومدى فعالية الإجراءات الحكومية الرامية إلى كبح ارتفاع الأسعار. فبعد هدوء نسبي خلال شهر رمضان الماضي، عادت الأسعار لتقفز إلى 150 درهما على الرغم من وفرة العرض، وفق إحصائيات الوزارة الوصية.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن أسعار لحم الغنم استقرت في مستويات تتراوح بين120 و150 درهما للكيلوغرام، مع توقعات بعض المهنيين بتجاوز هذا السقف بكثير بمناسبة عيد الأضحى.

أما لحم البقر، فتتراوح أسعاره حاليا بين90 و120 درهما، بزيادة 10 دراهم في اللحم المستورد ومثلها في أسعار القطيع المحلي. فيما يباع اللحم المفروم «الكفتة» بـ130 درهما، وتبدأ أسعار القطع المعدة للشي (الكوطليت والقطبان) من 140 درهما للكيلوغرام.

وبخصوص سعر السقط مثل «الدوّارة» ولحم الرأس وغيرها، فتختلف أسعارها حسب الكمية والحجم، وتباع حاليا بالدار البيضاء بما بين 300 و500 درهم للوحدة، حسب حجم الأحشاء.

ويتوقع المهنيون، مع اقتراب عيد الأضحى، أن ترتفع أسعار «الدوّارة» على نحو أكبر، مثلما حدث العام الماضي، رغم إقامة شعيرة النحر هذا العام.

هذا التباين في الأثمنة لا يعود للجودة فحسب، بل يرتبط بمصدر اللحوم؛ إذ يجد المستهلك فارقا سعريا بين من يشترون المواشي مباشرة من الفلاحين ومن يقتنونها عبر المسالخ أو الوسطاء.

استنزاف بنيوي وفشل في الدعم

يعزو المهنيون هذا الوضع إلى استنزاف حاد للقطيع الوطني خلال السنوات الماضية. فقد تمت عمليات الذبح بشكل عشوائي دون تدخل حازم من السلطات، فضلا عن غياب الدعم الموجه للكساب الصغير.

ويشدد مهنيو القطاع على أن وفرة الكلأ عقب التساقطات الأخيرة ليست معيارا للانخفاض، لأن القطيع الحالي -حسبهم- غير معد للذبح الفوري، بل يحتاج وقتا لتجاوز تداعيات الجفاف.

من جانب آخر، يبرز دور «الشناقة» كعامل رئيسي في تأجيج الأزمة؛ إذ تمر المواشي عبر حلقات متعددة ترفع السعر النهائي بنسب غير منطقية.

ورغم إقرار الحكومة لإعفاءات ضريبية وجمركية وتحديد سقف لاستيراد 300 ألف رأس من الأبقار حتى نهاية 2026، إلا أن هذه الخطوات لم تلمس جيوب المستهلكين، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مصير الدعم العمومي ومدى سيطرة «لوبيات» الاستيراد عليه.

لماذا فشلت إجراءات الحكومة في خفض الأسعار؟

يجمع عدد من مهنيي قطاع اللحوم الحمراء على أن فشل الإجراءات الحكومية يكمن في «حلقة مفقودة» تتعلق بطبيعة التدخل وآليات أجرأته على أرض الواقع. فبينما أرجعت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات هذه الوضعية إلى عوامل مركبة تتصدرها تبعات سنوات الجفاف التي قلصت أعداد القطيع الوطني موازاة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ظلت قنوات التوزيع عرضة لمضاربات لا تخضع لرقابة سعرية صارمة.

ورغم كشف الوزارة عن حزمة إجراءات استعجالية شملت تقديما لدعم مباشر للكسابة لتخفيف عبء الأعلاف وتسهيل استيراد الماشية عبر تعليق الرسوم الجمركية والضرائب، إلا أن الاكتفاء بهذه الخطوات دون فرض «دفتر تحملات» يلزم المستوردين بأسعار بيع نهائية، جعل مفعول الدعم يتبخر قبل وصوله إلى قفة المواطن.

هذا التباين بين النوايا الرسمية والواقع الميداني دفع الوزارة إلى الإقرار بأن ثمار الإجراءات التي اتخذتها لم تؤت أكلها على مستوى الأسعار النهائية، مؤكدة استمرارها في مراقبة السوق لضمان توازن العرض والطلب.

غير أن مراقبين يفسرون هذا التعثر بتوجيه جزء كبير من اللحوم المستوردة لتغطية احتياجات القطاع السياحي والمطاعم الكبرى، مما يترك الأسواق الشعبية تحت رحمة النقص البنيوي في القطيع المحلي.

ويبدو أن غياب الربط المباشر بين الدعم الممنوح وتحديد سقف للأسعار في محلات الجزارة هو ما جعل الإجراءات الحكومية تدور في حلقة مفرغة، عاجزة عن كبح جماح الغلاء الذي استنزف القدرة الشرائية للمستهلكين.

غليان برلماني وتحذيرات حقوقية

انتقل صدى هذه الأزمة إلى قبة البرلمان، حيث وجه الفريق الاشتراكي تساؤلات حارقة لوزير الفلاحة حول أسباب فشل الدعم العمومي في تحقيق استقرار الأسعار.

ونبه الفريق إلى أن هذا الغلاء يأتي في سياق اجتماعي دقيق يتسم بتراجع القدرة الشرائية، مما يستوجب الكشف عن آليات تتبع الدعم الممنوح للكسابة والمستوردين.

وفي السياق ذاته، عبر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه من استمرار المنحى التصاعدي، مؤكدا أن المواطنين باتوا يكتفون بكميات محدودة أو يستغنون عن اللحوم نهائيا.

ودعا المرصد إلى ضرورة نشر لوائح أسعار مرجعية والتصدي الصارم للمضاربين والوسطاء غير القانونيين الذين يستغلون مواسم الحفلات والأعراس وعيد الأضحى لمضاعفة أرباحهم على حساب السلم الاجتماعي.

ومع استمرار هذا الوضع، يظل الرهان معلقا على قدرة الدولة على استعادة توازن القطيع الوطني وفرض رقابة ميدانية تقطع الطريق على الوسطاء وتضمن وصول اللحوم إلى المواطن بأسعار عادلة تتناسب مع واقع دخله اليومي.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 08/04/2026 على الساعة 09:00