وذكرت المندوبية السامية للتخطيط أن الأداء يعزى إلى استمرار توسع أنشطة الفلاحة والخدمات الذي من شأنه أن يدعم النشاط الاقتصادي ويساهم في التخفيف من تداعيات الصدمة الطاقية. وسيظل الطلب الداخلي ركيزة هذا الصمود، في ظل استمرار ظروف نقدية مواتية واستقرار معدل التضخم دون عتبة %2.
وبحسب المصدر ذاته فقد أدى اندلاع الحرب في إيران، مع نهاية فبراير 2026، إلى إدخال الاقتصاد العالمي في أزمة جيوسياسية جديدة، رافقها ارتفاع أسعار المواد الأولية الطاقية على الصعيد الدولي إلى المستويات المسجلة سنة 2022.
وتابعت المندوبية أن هذه الصدمة انتقلت أساسا إلى الاقتصاد الوطني عبر ارتفاع تكلفة المدخلات الطاقية والمعدنية، مما أثر سلبا على أداء الأنشطة الثانوية التي تراجعت قيمتها المضافة بـ %3,9. غير أن انتعاش القطاع الأولي (%20,9+) وصمود الخدمات (%4+) خلال نفس الفترة قد ساهما في دعم نمو الناتج الداخلي الخام بنسبة %4 خلال الفصل الثاني من سنة 2026، عوض %4,6+ خلال الفصل الأول.
وامتص الطلب الداخلي تداعيات هذه الصدمة على نحو غير متكافئ؛ حيث تراجع نمو اجمالي تكوين رأس المال إلى %6,8+ خلال الفصل الثاني من سنة 2026 مقارنة بـ %10,8+ خلال الفصل الاول، تحت تأثير تراجع الربحية، الناجم عن ارتفاع تكاليف الإنتاج بالإضافة إلى تباطؤ الطلب على السكن.
وفي المقابل، حافظت نفقات استهلاك الأسر على منحاها التوسعي، محققة زيادة بـ %4,1 مدفوعةً بتحسن الشغل مقابل الدخل (%4+) وزيادة اللجوء إلى الاقتراض (%4,5+ في نهاية يونيو 2026، مقارنة بـ %3,9+ في نهاية مارس).
وفي ظل هذه الظروف، ارتفعت حاجة الاقتصاد إلى التمويل لتبلغ 22 مليار درهم خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 10,3 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025. ويعكس هذا الارتفاع الأثر المشترك لتوسع العجز التجاري الراجع إلى ثقل الفاتورة الطاقية وتدهور شروط التبادل التجاري، إضافة إلى تفاقم العجز الميزانياتي بضغط من تكلفة آليات الدعم واستمرار المجهود الاستثماري العمومي.
استمرار صمود النمو خلال الفصل الثالث
وكشفت المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد الوطني سيواصل مسار نموه رغم امتداد الصدمة الطاقية خلال الفصل الثالث من سنة 2026، محققا ارتفاعا يقدر بنسبة %4,1 على أساس سنوي. وسيشكل القطاع الفلاحي الركيزة الأساسية لدعم الانتاج بنمو سيبلغ %19,9.
كما ستسجل الخدمات ارتفاعاً بنسبة %3,9، مدفوعة بالأداء الإيجابي لفروع الإيواء والمطاعم والخدمات غير القابلة للمتاجرة.
وعلى العكس من ذلك، توضح المندوبية، ستواصل الأنشطة الثانوية منحناها التنازلي الذي بدأته خلال الفصل الثاني، وإن بتراجع أقل حدة (-1,9% على أساس سنوي، مقابل-3,9% )، إذ ستبين الصناعات الغذائية وقطاع السيارات وصناعة المعدات الكهربائية عن مرونة أوسع، بينما ستظل أنشطة النسيج والصناعات الكيماوية وفروع انتاج المطاط والإلكترونيات دون المستويات المحققة خلال نفس الفترة من السنة الماضية.
ومن الراجح أن تواصل أسعار الواردات ارتفاعها بوتيرة تفوق نظيرتها المتعلقة بالصادرات خلال الفصل الثالث من سنة 2026، مما سيؤدي إلى انكماش أوسع للهوامش وتراجع شروط التبادل التجاري.
وفي هذا السياق، يُرجح أن يواصل حجم الصادرات تباطؤه، مسجلا ارتفاعاً بنسبة 6,2%خلال الفصل الثالث من سنة 2026، مقابل +7,6% خلال الفصل الثاني. وقد يتزامن هذا التطور مع تباطؤ في حجم الواردات، مما سيساهم في تخفيف الأثر السلبي للمبادلات الخارجية على النمو ليصل إلى 1,2- نقطة، بدلاً من 1,6- نقطة في الفصل السابق.
وعلى مستوى الاستثمار، ستواصل المقاولات تكييف نفقاتها في ظل استمرار ارتفاع تكلفة التجهيزات المستوردة ومدخلات البناء، بيد أن مواصلة إنجاز مشاريع البنية التحتية سيسهم في رفع اجمالي تكوين رأس المال بنسبة %6,2 خلال الفصل الثالث من سنة 2026 على أساس سنوي.
وبالموازاة مع ذلك، يرتقب أن يحقق استهلاك الأسر تحسنا بنسبة %4,1 خلال الفترة نفسها، مدعوما بتراجع طفيف في معدل التضخم (%0,3-)، إذ سيساهم انخفاض الأسعار الغذائية (%3,6-) ولا سيما أسعار الدواجن والخضراوات والبيض، وخاصة زيت الزيتون (1,1- نقطة) في كبح تأثير الارتفاع المسجل في الأسعار غير الغذائية (%2,4+)، الناجم بالأساس عن ارتفاع أثمان البنزين.
توقعات بتحسن النمو خلال الفصل الرابع من سنة 2026
وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، يُتَوَقَّعُ أن يُواصِلَ النشاط الاقتصادي نموه بمعدل %4,7 خلال الفصل الرابع من عام 2026، وذلك بالاستناد إلى الفرضية الأساسية المتعلقة باستقرار نسبي لأسعار الطاقة وغياب أي صدمة رئيسية جديدة.
وَيَرْتَكِزُ هذا التحسن بشكل أساسي على تراجع وتيرة انخفاض انتاج قطاع الصناعات الاستخراجية والأنشطة المرتبطة به، مع اكتمال أعمال الصيانة التي ميزت الفصلين الثاني والثالث، وتحسن الصادرات الناجم عن استئناف دورة إعادة تكوين مخزونات الأسمدة في دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وسيظل النمو مدفوعاً بمساهمة مهمة لقطاعات الفلاحة والخدمات، تقدر بـ 4 نقاط مئوية.
ومن الراجح أن يواصل الطلب الداخلي دعم النمو خلال الفترة ذاتها، إذ يُنتظر أن يسجل استهلاك الأسر تحسناً بنسبة %4,3 في الفصل الرابع من عام 2026، على أساس سنوي، مستفيدا من استمرار ظروف التمويل البنكي المواتية وتمديد التدابير المالية الرامية إلى كبح تداعيات تضخم أسعار الطاقة. وسيُواكب هذا التوجه الإيجابي ارتفاعٌ مرتقب في الاستثمار بنسبة %6,8، مدفوعاً بالمشاريع الكبرى للبنية التحتية.
في المقابل، نبهت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن « هذا المسار يَظَلُّ محفوفا بالشكوك، إذْ سيُؤَدِّي تصاعد جديد للتوترات في الشرق الأوسط، مقترناً بتزايد صُعُوبات التزويد بالوقود خلال فصل الشتاء، إلى إحداث ضغط تضخمي إضافي وفرض قيود على القدرات الإنتاجية والنمو في وقت واحد« .
