ويكتسب المتحف أهمية خاصة من موقعه بقلب ملاح فاس، أحد أقدم الأحياء اليهودية المنظمة بالمغرب، والذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438، وظل على مدى قرون فضاء للحياة الدينية والتعليمية والتجارية والحرفية للطائفة اليهودية بالمدينة، فيما أعطى الملك محمد السادس في أبريل 2019 انطلاقة أشغال إنجاز المتحف، ضمن برنامج تأهيل المدينة العتيقة لفاس وتثمين موروثها الحضاري.
ولا يكتفي المسار التاريخي للمتحف بتقديم الأحداث، إذ ينتقل في الطابق العلوي إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع اليهودي المغربي، من المعبد والمدرسة العبرية والمحكمة الحاخامية إلى طقوس الولادة والختان والزواج والوفاة، عبر قطع نادرة من ملابس وحلي وعقود الزواج اليهودية «الكتوبات» و«الكسوة الكبيرة» الخاصة بالعروس، فضلا عن ستائر خزانة التوراة المقدسة.
ويأخذ المسار في الطابق الأرضي الزائر عبر محطات أساسية من تاريخ اليهود بالمغرب، من أقدم الشواهد التاريخية إلى تاريخ فاس وتأسيس الملاح، ثم وصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، وصولا إلى العصر الحديث، مع إبراز حضورهم في مجالات التجارة والعلم والحياة الاجتماعية والدينية، إلى جانب قسم خاص بشخصيات دينية وفكرية، خصوصا الحاخامات وأعلام التقليد الحاخامي المغربي.
ويبرز المتحف أيضا تنوع هذه الثقافة من منطقة إلى أخرى، من خلال الأزياء والحرف والموسيقى، حيث يعرض نماذج من «أخنيف» الجنوب وأزياء تافياللت، إلى جانب إعادة تشكيل ورشة تقليدية لصائغ حلي بأدواتها ومعداتها، وعرض عقود ومشابك ومعلقات فضية، فضلا عن نماذج مرتبطة بالنسيج والحياكة والعمارة المنزلية.
وإلى جانب القطع المعروضة، يراهن المشروع على الوسائط السمعية البصرية والتقنيات الرقمية وبرامج الوساطة الثقافية الموجهة خصوصا للأطفال والشباب والمجموعات المدرسية، كما روعي في تصميم المبنى الحفاظ على طابعه المنسجم مع عمارة المدينة العتيقة، من خلال الزليج والجبس المنقوش والخشب المصبوغ، فيما تطل بعض فضاءات المتحف على المقبرة اليهودية بفاس.
ويأتي افتتاح المتحف، الذي أنجزت أشغاله وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس بتنسيق مع المؤسسة الوطنية للمتاحف والفرق المتخصصة، على بعد نحو مائة متر من متحف فنون الإسلام بقصر البطحاء، الذي فتح أبوابه سنة 2025، ليقدم المتحفان في قلب فاس العتيقة مكونين أساسيين من التراث المغربي، فيما يبرز متحف الثقافة اليهودية من خلال وثائقه وقطعه ومقتنياته اليومية، حضور اليهود المغاربة وتفاعلهم مع محيطهم، باعتبارهم جزءا من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمملكة.
