لحسن حداد يكتب: الكاتب في مواجهة الخوارزمية.. هل يقضي الذكاء الاصطناعي على الأدب؟

Lahcen Haddad.

لحسن حداد

في 28/05/2026 على الساعة 20:30

مقال رأيالأدب تاريخ من التحولات المتتالية. في الواقع، ظن كل عصر أنه يشهد نهاية الأدب، غير أن كل حقبة انتهت به إلى تحول عميق فتح آفاقا لا حصر لها من الممكنات الأدبية الجديدة.

أحدثت المطبعة في القرن الخامس عشر ثورة في نشر المعرفة، مما دفع البعض إلى التنبؤ باختفاء المخطوطات وضياع حميمية خاصة بين المؤلف وعمله. وفي وقت لاحق، شكك الحداثيون والطليعيون في الأشكال التقليدية، مما أثار حيرة وقلقا لدى حراس النماذج المستقرة.

أنجبت كل مرحلة مخاوفها وهواجسها: فقدان الأصالة، واختفاء المؤلف؛ ذلك الرمز الشبيه بشخصيات ميلتون أو دانتي، القادر على نظم مئات الأبيات بوضوح كلاسيكي جامح. وكان اختفاؤه المفترض ينذر بضياع المعنى، وبتيه فكري، وانحراف يحمل مخاطر تبدو عواقبها وقتئذ غير قابلة للسبر.

واليوم يبرز هدم جذري غير مسبوق: آلة قادرة على إنتاج نصوص أدبية وقصائد وحساسيات أسلوبية، بل وقادرة على محاكاة جنس أدبي أو صوت محدد ببراعة تثير الريبة أحيانا. فهل نحن أمام موت الأدب؟ أم أمام أحد أعمق تحولاته منذ اختراع المطبعة؟

وقبل ظهور الذكاء الاصطناعي بكثير، كانت ثورات عديدة قد غيرت بالفعل طريقتنا في الكتابة والقراءة والتفكير في الأدب، بل وفي تصور العمل الأدبي نفسه.

فخلال محاضراته في أكسفورد وكامبريدج عام 1894، استهل ستيفان مالارميه تأملاته حول «أزمة الشعر» بعبارته الشهيرة: «أحمل أخبارا. مفاجئة للغاية. لقد مسوا الشعر». وكان يشير بذلك إلى ظهور الشعر الحر بعد رحيل فيكتور هوغو. لم تقتل أزمة الشعر هذه القصيدة، بل فتحت فضاء الحداثة الشعرية، من مالارميه إلى أبولينير، ومن إليوت إلى باوند، ومن ييتس إلى بريتون.

ويبرز ت. س. إليوت، الأمريكي الملكي الذي اعتبر غالبا رائدا لبعض أشكال الفكر المحافظ أو اليميني قبل نيله الجنسية البريطانية، بين كبار ممارسي هذه الثورة القائمة على تفتيت العالم الحديث، وتعدد الأصوات، والقطع مع الأشكال السردية التقليدية. وبذلك جسد إليوت تعبيرا رئيسا عن الحداثة الأدبية.

وعلى الرغم من فكره الكلاسيكي، لم يتردد في إحداث ثورة في الشكل والاستعارة، مشوشا بذلك التقاليد التي دافع عنها ببراعة في مقالته «التقليد والموهبة الفردية» عام 1919.

«تستطيع الآلة محاكاة شكل المعاناة، لكنها لا تستطيع تحمل ثقلها الوجودي»

—  لحسن حداد

وفي الشرق، أكد الشكليون الروس ونظراؤهم في الفنون التشكيلية والسينما والمسرح أن الأدب لا يتحدد فقط بما يرويه، بل بكيفية روايته أيضا. وبذلك أصبح الشكل بأهمية المضمون نفسها. ولم يعد الأدب مجرد مرآة للواقع، بل غدا يخلق طريقته الخاصة في جعل الواقع غريبا، وهو مفهوم «التغريب» الذي طوره فيكتور شكلوفسكي. ولم تقتصر الطليعية الأدبية الروسية على هز النقد الأدبي فحسب، بل انتهت إلى تحويل الأجناس الأدبية نفسها، مما أثار ذعر المدافعين غير المشروطين عن الأشكال الكلاسيكية، والذين رأوا في ذلك هرطقة أدبية حقيقية.

وطرح والتر بنيامين، القريب من مدرسة فرانكفورت، مسألة ما يتبقى من الفن في عصر إعادة الإنتاج التقني، لا سيما مع السينما والتصوير الفوتوغرافي. ورأى أن إعادة الإنتاج الميكانيكي تفقد العمل الفني جزءا من هالته وفرادته. لم يكن بنيامين يعلن موت الفن، بل كان يوضح أن إعادة الإنتاج التقني تغير وضعه وسلطته وتلقيه، كما ورد في مؤلفه «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه التقني» عام 1935.

وعمل الروائي الطليعي الفرنسي ألان روب غرييه، من خلال رواياته المناهضة، على تفكيك الشخصية الكلاسيكية، وخاصة الشخصية البالزاكية، مبرزا ضبابية الحدود بين الخيال والواقع واختفاء اليقين السردي. ولم تكن الرواية ما بعد الحديثة ممكنة إلا في سياق هز أسس الرواية بوصفها فضاء للسرد والتماهي والخيال. فلم تعد الرواية قائمة على التحليل النفسي أو الحبكة أو التماهي، بل على سطح الأشياء، ودقة النظرة، وبرود الوصف.

وبعد زعزعة الشكل واللغة والسرد والعمل الأدبي نفسه، يظهر اليوم انقطاع جديد: الخوارزمية. فهل تسجل الخوارزمية موت المؤلف نفسه؟ وهل نشهد تقويض أسس الأدب، ونقصد الإبداع والموهبة، اللذين شكلا ركيزتي صعوده إلى مرتبة المعرفة المؤثرة في الفكر الإنساني منذ عصر النهضة على الأقل؟

يحمل الذكاء الاصطناعي قطيعة من نوع آخر؛ فقد سجلت الآلة دخولها المهيب إلى فضاء الخلق. فالإنتاج التلقائي لنصوص بجودة مذهلة، والمساعدة في الكتابة التي تعيد تعريف دور الناشر والقارئ، والترجمة الفورية للنصوص، والتأليف المشترك بين الإنسان والآلة، كلها عوامل تقلب المفاهيم المستقرة رأسا على عقب.

والمثير للاهتمام أن النصوص التي تنتجها الآلة تبدو أحيانا منافسة للنصوص البشرية العادية. وربما لن يعود المؤلف ذلك الرمز الرومانسي، الملهم، المنعزل، والمخلص الذي يطوع اللغة والاستعارة والشعر والسرد ببراعة، بل مجرد قائد أوركسترا يترك للآلة مهمة تنفيذ الجزء الأكبر من العمل.

وسنشهد بلا شك وفرة غير مسبوقة: إنتاجا غير محدود نظريا، وديمقراطية في الكتابة، وانخفاضا متسارعا للحواجز التقنية. وتعد هذه الديمقراطية وعدا حقيقيا، لكنها تمثل أيضا بداية تخمة معلوماتية غير مألوفة.

ولذلك لا يكمن الخطر في أتمتة الكتابة فحسب، بل في تصنيع المعنى؛ إذ ستصبح الأساليب في متناول الجميع ويمكن محاكاتها بسهولة مربكة. ولا يمكن استبعاد نمطية الأشكال والأصوات والبلاغات السردية والشعرية. وقد نشهد حينها إنتاجا ضخما لعواطف محاكاة وحساسيات مصنوعة اصطناعيا.

وربما ندخل عصرا يتطلب فيه إنتاج الكلمات والقصص والعوالم المتخيلة وقتا أقل، ومالا أقل، وجهدا أقل. لكن، ومفارقة الأمر، فإن إنتاج معنى إنساني صادق، يحمل تجربة وعمقا وذاكرة وفرادة، سيصبح أثمن من أي وقت مضى.

وما يزال يقاوم الخوارزمية هو التجربة الإنسانية بوصفها المادة الخام للأدب. تستطيع الآلة محاكاة المعاناة، لكن يجب على المرء أن يعرف المنفى، ويعيش الفقد، ويحب، ويجتاز الخوف، ويحمل ذاكرة عائلية لكي يمنح هذا البعد الإنساني العميق والفريد للعمل الأدبي. يمكن للآلة محاكاة شكل المعاناة، لكنها لا تستطيع تحمل ثقلها الوجودي.

يفترض في الكتابة أن تكون فعلا وجوديا؛ نكتب لنفهم، نكتب لنعبر عن أنفسنا، نكتب لنمنح معنى للواقع، ونكتب لنضفي انسجاما على التجربة الإنسانية. ليس الأدب مجرد تركيب كلمات، بل هو طريقة بشرية للبقاء على قيد الحياة في مواجهة الواقع، وتفسيره، وتحويله أحيانا. إنه يحمل جراحا وأفراحا وحنينا وأحلاما وذكريات لا يمكن لأي خوارزمية أن تسكنها حقا.

أعلن مالارميه عن زعزعة الأوزان الشعرية الكلاسيكية، وفكك إليوت البنية والخيال الشعري، وتأمل والتر بنيامين تراجع هالة العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج التقني، وهدم روب غرييه السرد الزمني والعالم الروائي الموروث عن بالزاك. وربما لا يسجل الذكاء الاصطناعي موت الأدب، بل قد يمثل مجرد تحول عميق وجذري سيغير إلى الأبد الأشكال والأجناس وحتى آليات خلق المعنى.

ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في معرفة ما إذا كانت الآلات ستكتب، فهي تكتب بالفعل؛ بل السؤال هو معرفة ما الذي س يستحق القراءة في عالم يمكن كتابة كل شيء فيه.

تحرير من طرف لحسن حداد
في 28/05/2026 على الساعة 20:30