في الوقت الذي كانت ينعقد فيه المؤتمر الوزاري العالمي الرابع للسلامة الطرقية في مراكش بالمغرب، برزت حقيقة مثيرة للقلق: بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وبعض مناطق شمال إفريقيا لديها أعلى نسب الوفيات على الطرقات في العالم. وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية يتعلق بالسلامة الطرقية لعام 2023، تم تسجيل 19.6 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة في المتوسط في القارة، مع وجود تباينات صارخة بين البلدان. وتتصدر غينيا (37.4) وليبيا (34) وغينيا بيساو (30.5) التصنيف الذي يضم 30 دولة أفريقية تتجاوز بشكل كبير المتوسط العالمي. وتخفي هذه الأرقام حقائق اجتماعية واقتصادية، وثغرات بنيوية، وتحديات سياسية تتطلب التحليل.
100 Ministers. 150 delegations. 5200 participants. 1 global goal: reduce road deaths by 50% by 2030.
— @RoadSafetyStories (@RoadSafetyTales) February 20, 2025
The Fourth Global Ministerial Conference on #RoadSafety in Marrakech closes with the adoption of the ‘Marrakech Declaration.’ A clear global call to action road safety. pic.twitter.com/BHVvGFw49P
ويكشف تصنيف 30 دولة عن وجود علاقة بين انخفاض الدخل والوفيات بسبب حوادث الطرق. ومن بين البلدان العشرة الأولى المصنفة، هناك سبعة بلدان من بين أقل الدول نموا (غينيا وزيمبابوي وبوركينا فاسو وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا بيساو والنيجر). ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن 90 % من الوفيات تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. إن غياب البنيات التحتية المناسبة، إلى جانب التوسع العمراني غير المتحكم فيه وأسطول المركبات المتقادم (المركبات المستعملة المستوردة، والتي غالبا ما لا تتوافق مع معايير السلامة)، يزيد من خطر وقوع الحوادث.
ومع ذلك، فإن بعض البلدان مثل ليبيا (34 حالة وفاة لكل 100 ألف) أو جنوب إفريقيا (24.5) تقدم حقائق مختلفة. ففي ليبيا، أدى عدم الاستقرار السياسي بعد عام 2011 إلى شل أنظمة المراقبة الطرقية. أما في جنوب إفريقيا، وعلى الرغم من شبكة الطرق المتطورة، فإن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية واستهلاك الكحول أثناء القيادة يفسران جزئيا هذه النسبة المرتفعة.
Vue générale de la scène d'un accident de bus. La Guinée est le pays africain ayant le ratio le plus élevé de décès pour 100 000 habitants, atteignant 37,4.. AFP
نقاط الضعف النبيوية
وتشير المعطيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وبرنامج سياسات النقل في إفريقيا، وهي شراكة دولية تساعد البلدان الإفريقية على تعزيز سياساتها واستراتيجياتها، إلا أن 53% من الضحايا في إفريقيا هم من فئة مستخدمي الطرق الهشة: المشاة (31%) وأصحاب الدراجات النارية (17.5%) وأصحاب الدراجات (4.4%). ويمكن تفسير هذه التمثيلية الكبيرة من خلال هيمنة وسائل النقل غير المهيكلة (سيارات الأجرة النارية، وبودا-بودا في كينيا) ونقص المرافق المخصصة (الأرصفة، ومسارات الدراجات). وفي غانا (25.9 حالة وفاة لكل 100 ألف شخص)، يشكل راكبو الدراجات النارية 60% من الضحايا، وفقا لدراسات محلية.
وفضلا عن ذلك، فإن سبع دول فقط في العالم ــليست هناك أي دولة إفريقيةــ لديها قوانين تتماشى مع أفضل ممارسات منظمة الصحة العالمية في ما يتعلق بعوامل الخطر الخمسة (السرعة والكحول والخوذات وأحزمة الأمان ومقاعد الأطفال). وفي إفريقيا، لا تطبق 28 دولة من بين الدول الـ30 المصنفة بالكامل هذه العوامل. وتجد المغرب (18.6 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة)، البلد المستضيف للمؤتمر، صعوبة في تعميم ارتداء الخوذات في المناطق القروية، رغم أن ارتداء الخوذة إلزامي لجميع سائقي الدراجات النارية ومرافقيهم. وهو إجراء مدرج في قانون السير المغربي.
وتكلف حوادث الطرقات الدول الأفريقية ما بين 3 و5% من الناتج الداخلي الخام، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. بالنسبة لغينيا (37.4 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة)، فإن هذا يعادل خسارة سنوية تبلغ نحو 700 مليون دولار، وهي موارد حيوية لبلد يعيش 55% من سكانه تحت خط الفقر. والعواقب متعددة الأبعاد: فقدان الإنتاجية وزيادة العبء على النظم الصحية وإفقار الأسر.
الحكامة وتجزئة السياسات العمومية
ورغم أن مفوضية الاتحاد الأفريقي شجعت مبادرات مثل الميثاق الأفريقي للسلامة الطرقية (2016)، فإن تنفيذها لا يزال غير متساو. ولم تنجح سوى 22 دولة أفريقية في خفض نسب الوفيات لديها منذ عام 2010، بينما شهدت 28 دولة أخرى ارتفاعا في تلك النسب. إن الافتقار إلى التنسيق بين القطاعات واضح، إذ يؤكد الدكتور إتيان كروج (Etienne Krug) من منظمة الصحة العالمية أنه «لا يمكن للسلامة الطرقية أن تقع مسؤوليتها على عاتق وزارة النقل وحدها. أن هذا الأمر يتطلب مقاربة مندمجة، تشمل قطاعات الصحة والتعليم والتعمير».
في كينيا (28.2 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة)، وعلى الرغم من المصادقة على قانون في عام 2023 يشدد العقوبات على القيادة تحت تأثير الكحول، فإن غياب عمليات المراقبة الطرقية المنتظمة يحد من تأثيره. كما أن حملات التوعية في السنغال (20.8) تجد صعوبة في الوصول إلى المناطق القروية، حيث تسجل 70 % من الحوادث المميتة بسبب مركبات غير مؤمنة.
بين الابتكارات المحلية والتعاون الجهوي
ومع ذلك، فقد بدأت تبرز بعض الحلول. فرواندا، التي غابت عن قائمة الـ30 في إفريقيا بسبب معدل وفيات يبلغ 11.6 لكل 100 ألف نسمة، فقد قامت برقمنة رخص السياقة وأدخلت رسوم المرور الحضرية لتمويل البنيات التحتية. أما المغرب، من خلال مخططه الطرقي 2030، فيهدف إلى خفض الوفيات بنسبة 25 % بفضل الرادارات الآلية وإعادة تأهيل 15 ألف كيلومتر من الطرق.
ودعا إعلان مراكش إلى «التبادل العابر للحدود للمعرفة»، وهو أمر حيوي بالنسبة لدول مثل بنين (24.8 حالة وفاة لكل 100 ألف شخص) أو الطوغو (22.7)، حيث تشكل الخطوط الطرقية (لومي-كوتونو-نيامي) نقاطاً سوداء. وقال عبد الصمد قيوح وزير النقل واللوجستيك: «إن السلامة الطرقية تشكل أولوية للأشخاص والكوكب والازدهار. إنها تعزز الفرص الفردية والتنمية المستدامة العالمية. ويدعو إعلان مراكش إلى تحول جذري في الجهود الرامية إلى الحد من الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق وضمان التنقل الآمن والمستدام للجميع. لا يمكن قبول حدوث وفيات على الطرق على الإطلاق، ويجب علينا مضاعفة جهودنا لتنفيذ الحلول المجربة». وتشمل الحلول الأخرى المجربة أنظمة الكبح الآلي.
وإجمالا، تقتل الطريق 1.19 مليون شخص في جميع أنحاء العالم كل عام، وتدفع إفريقيا الثمن الأعلى. وتبرز خلف هذه الإحصائيات إشكاليات متعلقة بالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والسيادة السياسية.
إن تحقيق هدف خفض الوفيات بنسبة 50% بحلول عام 2030 لن يتطلب قوانين رادعة وبنيات تحتية آمنة فحسب، بل يتطلب أيضا تحولا عميقا في أنظمة التنقل، تركز حول العامل البشري أكثر مما تركز على السيارات. وكما لخص مايكل بلومبرج في التقرير، فإن «كل حياة تفقد هي خسارة لا تعوض». إن إفريقيا، مهد الابتكار، لديها الموارد اللازمة لعكس هذا الاتجاه، شريطة أن تصبح السلامة الطرقية في نهاية المطاف أولوية مطلقة.
البلدان | عدد الوفيات لكل 100.000 نسمة | التصنيف |
---|---|---|
غينيا | 37,4 | 1 |
ليبيا | 34 | 2 |
غينيا بيساو | 30,5 | 3 |
زمبابوي | 29,9 | 4 |
جزر القمر | 29 | 5 |
كينيا | 28,2 | 6 |
بوركينا فاسو | 27,8 | 7 |
تشاد | 26,4 | 8 |
جمهورية إفريقيا الوسطى | 25,9 | 9 |
غانا | 25,9 | 9′ |
النيجر | 24,9 | 11 |
بنين | 24,8 | 12 |
إسواتيني | 24,7 | 13 |
جنوب إفريقيا | 24,5 | 14 |
جنوب السودان | 23,3 | 15 |
الطوغو | 22,7 | 16 |
مدغشقر | 22,5 | 17 |
غامبيا | 22 | 18 |
ناميبيا | 22 | 18′ |
ليسوتو | 21,6 | 20 |
السنغال | 20,8 | 21 |
كوت ديفوار | 20,6 | 22 |
مالاوي | 20,2 | 23 |
مالي | 20,2 | 23′ |
الصومال | 20,2 | 23′ |
موزمبيق | 20,1 | 26 |
السودان | 19,6 | 27 |
المغرب | 18,6 | 28 |
الجزائر | 18,3 | 29 |
إريتريا | 17,7 | 30 |
مرحبا بكم في فضاء التعليق
نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.
اقرأ ميثاقنا