وتعكس المعطيات الميدانية التي رافقت حملة الإتلاف واقعا هيدرولوجيا واجتماعيا مريرا؛ فرغم انتعاش الفرشة المائية وحقينة السدود بفضل التساقطات المطرية الأخيرة، تؤكد تقارير الجهات المختصة أن الفرشة المائية بطاطا لا تزال تعاني من العجز المائي يتجاوز. هذا النزيف المائي تسبب في موجة « نزوح صامت » أدت لفقدان الإقليم نحو 13 ألف نسمة، حيث يفر السكان من العطش بعدما بات تزويد المراكز بالماء الشروب يقتصر على بضع ساعات فقط يوميا.
وبناءً على ذلك، شددت السلطات على أن الموارد المتاحة حاليا بالكاد تكفي للشرب والاحتياجات الأساسية، مما يجعل زراعة البطيخ الموجهة للتصدير «جريمة بيئية» تهدد الاستقرار البشري بالمنطقة.
قصة «لوبي الدلاح»
تعود جذور هذا الجدل المتجدد إلى الخريف الماضي، حين استبشر مزارعو الإقليم خيرا بالتساقطات المطرية والسيول الجارفة التي شهدتها المنطقة في الأشهر الأخيرة.
تلك الأمطار، التي أحيت الأودية الجافة لسنوات، خلقت « تفاؤلا مغلوطا » لدى الكثيرين، حيث راجت إشاعات قوية بين أوساط المزارعين تزعم أن السلطات ستغض الطرف عن زراعة البطيخ هذا الموسم مكافأة لهم على سنوات الصبر.
ودفع هذا الرهان العشرات إلى المغامرة باستثمارات مالية ضخمة وبدء عمليات الغرس سرا وعلانية، معتبرين أن انتعاشة الفرشة المائية السطحية كافية لتبرير العودة إلى « الذهب الأحمر »، وهو ما اصطدم لاحقا بصرامة تقارير وكالة الحوض المائي التي أكدت أن تلك الأمطار لم تعالج سوى جزء بسيط من عجز مائي بنيوي تراكم لعقود، وهو ما استدعى تدخلا عاجلا من طرف السلطات المحلية التي قامت بإتلاف تلك المزروعات وإرجاع الوضع إلى ما كان عليه قبل عملية الغرس.
جدل في البرلمان
وبالتزامن مع هدير الجرافات في الميدان، اندلع «زلزال سياسي» في العاصمة الرباط، حيث وجهت النائبة البرلمانية نبيلة منيب سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت.
ولم تكتف منيب بتثمين حماية الموارد المائية، بل فجرت قنبلة من العيار الثقيل حين نبهت إلى وجود «إخلالات خطيرة» و«انتقائية» في إنفاذ القانون، مؤكدة أن بعض «المزارعين النافذين» في جماعة «تيزونين» رفضوا الامتثال للقرار، بل ووصل الأمر إلى منع السلطات من ولوج ضيعاتهم، في تحدٍ سافر لهيبة الدولة.
وتساءلت البرلمانية عن مصير «الضيعات السرية» التي تعمل خارج الرقابة، معتبرة أن استهداف صغار الفلاحين مع غض الطرف عن المستثمرين الكبار يضرب مبدأ المساواة أمام القانون ويجهض الحق الدستوري في بيئة سليمة.
وفي سياق البحث عن حلول تتجاوز المقاربة الزجرية، طالبت منيب بالكشف عن الإجراءات العقابية المتخذة في حق المعرقلين أيا كان نفوذهم، داعية في الوقت ذاته إلى استحضار مخرجات لقاء « أمشاوار » المنعقد في أكتوبر 2024، والذي خلص إلى ضرورة دعم « البرامج الترابية البديلة » التي تشجع الزراعات الواحاتية المستدامة مثل النخيل الأصيل والنباتات العطرية، بالإضافة إلى تحويل الاستثمارات نحو السياحة الإيكولوجية والاقتصاد التضامني.



