عمار بلاني.. إسهال لفظي لوزير أجهضت طموحاته

عمار بلاني

في 12/10/2026 على الساعة 18:15

رأى الرجل نفسه يوما ربانا للدبلوماسية الجزائرية، بيد أن حلمه لم يعمر سوى ليلة يتيمة، وربما بمقدار تغريدة لا أكثر.

سرعان ما أعاد النظام تدوير عمار بلاني في ثوب كاتب أجير، ليغرق الصحافة الجزائرية منذ مطلع الصيف بسيل جارف من المقالات الكثيرة في عددها، الهزيلة في مضمونها، موزعة بين ملفات الصحراء، والساحل، وليبيا، بل امتدت شظاياها حتى «الحزب الاشتراكي» الفرنسي، دون أن يفلح أحد في لجم اندفاعه، ولا يبدو في الأصل أن أحدا يحاول ذلك.

تختار بعض الشخصيات تقاعدا هادئا ووقورا، ينصرف فيه المرء إلى القراءة أو تدوين المذكرات، غير أن تقاعد بلاني اتخذ مسارا مغايرا تماما، متحوّلا إلى تدفق نثري لا يعرف التوقف.

سجلت صفحته الخاصة على موقع «كل شيء عن الجزائر» (TSA)، ما بين 2 و12 أكتوبر، عشر مقالات في غضون أحد عشر يوما.

ففي 12 أكتوبر وحده، دفع بمقالين دفعة واحدة؛ تناول الأول المجال الجوي للصحراء، بينما خصص الثاني لما وصفه بـ «غرق الحزب الاشتراكي» الفرنسي.

وقبل ذلك، ركز في 9 أكتوبر على الساحل، ثم عرج في 8 منه على موريتانيا، وسبق ذلك في 7 أكتوبر بتناول المبعوث ستيفان دي ميستورا ملحوقا بتقرير غوتيريش، فضلا عن تطرقه لملف ليبيا في 4 أكتوبر، ومسألة الطاقة في 2 من الشهر ذاته.

وحين يختنق موقع «TSA» بإنتاجه، تتلقف منصة «الجزائر الوطنية» (Algérie Patriotique) ومواقع أخرى مقالاته لتواصل الترويج لها، في مشهد يوحي بصنبور تدفق لا ينغلق أبدا.

لم يعد هذا الزخم يمت للتحليل الرصين بصلة، بقدر ما تحول إلى حالة من الإسهال الكتابي القهري؛ فالرجل لا يكتب لامتلاكه ما يستحق القول، بل تحركه رغبة عمياء في ملء المساحات، وهو يملؤها بلا هوادة.

وزير في عمر تغريدة

يستوجب تفكيك هذه الحالة العصبية العودة إلى الوراء، وتحديدا إلى مارس 2023، حين أزيح رمطان لعمامرة عن مبنى وزارة الشؤون الخارجية.

تخيل بلاني، الذي كان يشغل حينئذ منصب الأمين العام للوزارة، نفسه جالسا على كرسي الوزير؛ بل بلغ به اليقين مبلغا دفعه إلى تسريب النبأ لصديقه الصحافي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، الذي سارع بدوره إلى زف البشرى عبر منصات التواصل الاجتماعي.

غير أن رياح قصر المرادية جرت بما لا تشتهي سفن بلاني؛ إذ أعلن في اليوم الموالي تعيين أحمد عطاف، ليتلقى بلاني الصدمة بالتزامن مع قراء سيمبريرو، مدركا أنه لن يرتدي جلباب الوزير أبدا.

توالت فصول الإهانة تباعا، فبعد أسابيع قليلة جرى إبعاده سفيرا إلى أنقرة.

حملت سفارة تركيا، بالنسبة لدبلوماسي سوق نفسه ربانا للخارجية، طابع غرفة انتظار بائسة تمهد للخروج النهائي؛ فالنظام الجزائري يتبع أسلوبه المعهود، حيث لا يعزل المسؤولين مباشرة في كثير من الأحيان، بل يقزم أدوارهم تدريجيا.

ولا تشكل هذه السقطة نكسته الأولى؛ ففي شتنبر 2020، استدعاه عبد المجيد تبون من بروكسيل، أين كان يشغل منذ 2013 المنصب الوثير كسفير لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي.

قضى بلاني سبع سنوات في العاصمة الأوروبية، نذرها لمهاجمة أوروبا والمغرب من داخل إقامته الدبلوماسية، قبل أن يعاد أدراجه نحو الجزائر العاصمة.

أعقب ذلك قضاء سنة كاملة دون أي تكليف، تلاها تعيينه مبعوثا خاصا، ثم أمينا عاما، وصولا إلى منفاه الدبلوماسي في أنقرة؛ ليمسي مساره المهني شبيها بمصعد كهربائي فقد السيطرة على أزراره، في حين تحتكر دوائر السلطة وحدها التحكم في حركته صعودا وهبوطا، وتتولى تدوير أوراقه عند الحاجة.

أخرجت الأجهزة بلاني من طي النسيان، لا لإدارة مفاوضات أو لتمثيل رسمي، بل لتسويد صفحات الجرائد فقط.

فرض اقتراب موعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي حول الصحراء البحث عن واجهة تضخ في المنابر الإعلامية صياغات ولغة جاهزة، وهي مهمة لا تتطلب موهبة ولا حسا دقيقا، وكان بلاني رهن الإشارة.

انتهى المطاف بالرجل، الذي راوده حلم قيادة الدبلوماسية، إلى مجرد محرر مقالات رأي تحت الطلب، في درك سفلي ضمن الهرم الوظيفي لا ينزل تحته مسؤول إلا ويجد نفسه خارج أسوار المؤسسة برمتها.

المغرب.. هاجس يسكن تفكيره

يحتل المغرب، دون أدنى مفاجأة، صلب هواجسه وأفكاره المترسخة.

أظهر إحصاء أجراه موقع «بلادي» أن خمس مقالات من أصل ثلاث عشرة زاوية رأي نشرها بين 20 غشت و18 شتنبر استهدفت المملكة أو قضية الصحراء بشكل مباشر، في حين أقحمت النصوص المتبقية المغرب بطرق ملتوية تشبه العرة العصبية.

أما المضمون فلا يرقى إطلاقا إلى ما هو أرفع من المنشورات الدعائية الفجة؛ فهو يجتر حديثا مكرورا عن «قدرة الرباط على الإيذاء»، ومؤامرات معاد تسويقها، ويقينيات مطلقة تلفق دون إثبات، فضلا عن خلاصات تتناقض من أسبوع لآخر.

ففي 3 شتنبر، ادعى أن إسبانيا باتت «مشلولة» بفعل الضغط المغربي، ليعود بعد عشرة أيام فقط ليصفها بالديمقراطية المثالية التي تقف في وجه الرباط.

يبدو جليا، وسط هذا الإيقاع المحموم من النشر، أنه لم يعد يجد متسعا من الوقت حتى لمراجعة ما خطته يداه في الأسبوع السابق.

تكمن المفارقة المثيرة للسخرية في زاوية أخرى تماما؛ فمن فرط هوسه بإثبات أن المغرب يشكل تهديدا للمنطقة برمتها، انزلق بلاني دون وعي إلى تعداد تحالفات المملكة، وإبراز نجاحاتها الدبلوماسية ونفوذها المتصاعد.

سعى الرجل للنيل من هيبة المملكة، فانتهى به الأمر، كما لاحظ أحد الزملاء الصحافيين، إلى تحرير كشف حساب يعرض مكامن قوتها وتفوقها.

ولم يسبق للمشهد الإعلامي أن عاين دعاية سياسية تقدم هدايا مجانية للخصم بهذا السخاء، حتى بات بوسع الرباط أن توجه له جزيل الشكر.

أصول المهنة لا تقبل الارتجال.. ولو بعد أربعين عاما

لا ينبغي لأحد أن يسقط في سوء الفهم؛ فمن حق أي دبلوماسي سابق الدفاع عن مواقف بلاده، حتى وإن تعلقت بنظام يمر بأزمات خانقة، وحتى لو اختار مسايرة السلطة وتملقها.

عرفت الجزائر أسماء نجحت في أداء هذا الدور بقدر معتبر من الرصانة والاتزان؛ إذ كان عبد العزيز رحابي، السفير السابق بمدريد والوزير الأسبق، يوقع مقالات رأي متماسكة البناء، يمكنك مخالفتها جذريا دون أن يخالجك شعور بأنك تطالع بيانا عسكريا صادرا عن ثكنة.

تراجع صوت رحابي كثيرا منذ أن هيمن بلاني على المشهد، تطبيقا للقاعدة الشهيرة: العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.

يختزل الفارق كله في كلمة واحدة: أصول الصنعة؛ فالدبلوماسي الحقيقي يزن كلماته بميزان الذهب لعلمه بحجم التزاماتها، في حين يقذف بها بلاني بالكيلوغرام.

يخلط الرجل بين الغزارة والنفوذ، وبين التكرار والحجة، وبين المقال الرصين والمنشور التحريضي الضحل.

أربعون عاما من المسار المهني انتهت به إلى هذا المنحدر: يكتب يوميا، في كل شاردة وواردة، دون أن يفلح في إقناع أحد.

طمح يوما إلى قيادة سفينة الدبلوماسية الجزائرية، فاستحال في نهاية المطاف مجرد ضجيج في الخلفية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 12/10/2026 على الساعة 18:15