منذ استقراره في كندا، بنى اليوتوبر هشام جيراندو تدريجيا حضورا إعلاميا قائما على الاستفزاز، مستغلا كل فرصة تضمن له الظهور الإعلامي وجذب المشاهدات. هو في الآن نفسه تاجر، ومعلق ارتجالي، ويدعي أنه معارض، ولكنه اليوم تجاوز كل الحدود في مسار اتسم بالمغالاة، ليصبح عرابا للإرهاب الدولي، ومناصريه، وحوارييه. ما كان بالأمس مجرد نقد لاذع، تحول اليوم إلى نشر علني لخطاب متطرف لا يمكن تجاهل خطورته.
من خلال قناته «تحدي» وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد جيراندو يكتفي بالتعليق أو الاعتراض، بل أصبح يضخم ويروج ويضفي الشرعية على تصريحات وحركات ودول تدعم الإرهاب.
ويعد ترويجه لفيديو عبد الله الشريف، المنشور في 26 مارس، مثالا صارخا على ذلك. فالشريف، أحد أبرز المتحدثين باسم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والمعروف بمواقفه الراديكالية واستخدامه البارع للفكاهة لتمرير رسائل أكثر تطرفا، يروج خطابا يتجاوز التحليل الجيوسياسي البسيط، ليصل إلى معاداة السامية الصريحة والدعوة إلى الكراهية والعنف.
وبوصفه هذا التدخل بأنه «ضربة معلم» و«حقيقة»، لم يعد جيراندو مجرد مراقب لانحراف خطير، بل أصبح مروجا له.
ومع ذلك، فإن المحتوى المذكور لا يترك مجالا للشك. يمجد هذا الخطاب نموذجا سياسيا وعسكريا مثيرا للجدل، ألا وهو النظام الإيراني، ويقدمه كمثال على القوة والصمود والفعالية الاستراتيجية.
وعلق عبد الله الشريف ساخرا بالقول: «إذن، أين هي المشكلة؟ لقد طردتم العلماء والمصلحين، وأخرستموهم أو رميتم بهم في السجون (...) في الوقت نفسه، دعمت إيران علماءها، وبفضلهم تمكنت من إنتاج مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب، وكانت على وشك امتلاك القنبلة النووية».
ويقدم هذا التحليل صورة كاريكاتورية للتناقض بين دول عربية قدمت على أنها ضعيفة وتابعة، ومنغلقة على الابتكار والتقدم الصناعي، وبين إيران الملالي، التي قدمت كنموذج للسيادة العلمية، وللصناعات الدفاعية، وعدم الخضوع للغرب.
ويستمر التحامل بنقد مباشر للسياسات الأمنية في هذه الدول. «لقد وصفتم قادة مؤمنين بالإرهابيين...بينما في إيران، حظيت هذه الكفاءات بالتقدير، مما جعلهم قوة فاعلة، مثل الحرس الثوري».
وختم هذا البناء الإيديولوجي بهذا المديح: «لكن إيران...أنتجت ونفذت وضربت بتكلفة أقل بكثير. تعلموا منهم الصبر والتحمل والصمود والكرامة».
وهكذا، وراء هذه الشعبوية المقيتة تكمن رؤية للعالم تعلي من شأن المواجهة بأي وسيلة ممكنة ومنطق الإرهاب فوق كل الاعتبارات الأخرى.
إن إدلاء الشريف بمثل هذه التصريحات يندرج ضمن مسار محدد مسبقا: مسار محرض إلكتروني حكم عليه بالسجن المؤبد في موطنه مصر بتهمة تمويل الإرهاب، منخرط، من المنفى، في خطاب قطيعة يهدف للانتقام والمواجهة الدائمة.
لكن اختيار المواطن الكندي هشام جيراندو، من نعيم الديمقراطية المنفتحة، أن يصبح مروجا متحمسا له بدون رادع، يثير تساؤلات.
إقرأ أيضا : اليوتيوبر جيراندو يدعو للقتل والدمار في المغرب: لماذا تغض كندا الطرف عنه؟
هنا، لم يعد الأمر مجرد جدل بسيط أو نقد لاذع. نحن هنا أمام اصطفاف متعمد مع خطاب خطير يمهد الطريق لأكثر أشكال التطرف عنفا، والذي ينبع أيضا من شخصية معروفة منتمية لحركة مصنفة كإرهابية، والتي تروج لنماذج دموية ولمنطق مواجهة يكون فيها كل شيء مباحا.
نحن أمام حالة إشادة بالإرهاب وحركة تتخذه كأداة رئيسية. يوم 13 يناير 2026، صنفت الولايات المتحدة رسميا فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كـ«منظمات إرهابية أجنبية».
هذا القرار، الذي صدر بقرار من دونالد ترامب، يترتب عنه تجميد الأصول وفرض عقوبات مالية. والغريب أن الحليف الأقوى للولايات المتحدة، لا سيما في حربها على الإرهاب، هو كندا، حيث يقيم جيراندو، هي «المشجع» الجديد لعناصر جماعة الإخوان المسلمين. كندا هي أيضا عضو في حلف شمال الأطلسي.
بتبنيه هذه التصريحات وتقديمها على أنها «حقائق مطلقة»، أصبح جيراندو مسؤولا، من الناحية الجنائية، عن نشرها. لم يعد بإمكانه الاختباء وراء حجة مشاركة الفيديو. فهو يضفي عليها الشرعية، ويضخمها، ويؤيدها.
وبذلك، يساهم في التطبيع مع خطاب لا يمكن التسامح معه في كندا كما في غيرها. التناقض صارخ مع البيئة التي يعمل فيها هذا المؤيد الجديد لجماعة «الإخوان». تتمتع كندا، حيث يقيم، بإطار قانوني واضح لمكافحة التحريض على العنف والأعمال الإرهابية. تنص المادة 83.221 من القانون الجنائي صراحة على تجريم نشر التصريحات التي من شأنها تشجيع هذه الجرائم، حتى في غياب المرور إلى الفعل.
ومنذ صدور قانون مكافحة الإرهاب عام 2015، يعد مجرد نشر الرسائل التحريضية جريمة. وفي هذا السياق، يثير الانتشار لهذا النوع من المحتويات، دون رد أو رادع، استغرابا كبيرا.
تنتهي حرية التعبير عندما تصبح وسيلة لتمرير خطاب يمجد ديناميات أو هيئات عنيفة. وهذا له اسم: القانون. إن جيراندو لا يتبنى موقفا أيديولوجيا فحسب، بل ينخرط عمدا في منطق الالتزام والنشر.
يؤكد هذا التطور اتجاها ملحوظا بالفعل يهدف إلى الإثارة والاستفزاز وجذب الانتباه بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر الخوض في مناطق حساسة. في سعيه الدؤوب للبقاء وسط ضجيج العالم الرقمي، يبدو أن جيراندو قد اختار المزايدة الدائمة، حيث أصبحت التطرف أداة للظهور.
ويبقى أن نرى إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا المسار دون إثارة رد فعل حازم من السلطات الكندية. لأنه عند اختلاط الأمور بين الرأي والدعاية والترويج للخطاب المتطرف، يصبح سؤال المسؤولية الفردية أمرا لا مفر منه.
وفي هذه اللعبة الخطيرة، قد يكون الإفلات الظاهري من العقاب مجرد مهلة مؤقتة. على الأقل، هذا ما يجب أن نأمله. وإلا، فلا بد من التساؤل عما إذا كان هناك ربان يقود هذه الطائرة الضخمة التي اسمها كندا.
