هذا التحول في المقاربة يفسر النقاش الذي بدأ يظهر داخل الولايات المتحدة حول احتمال تصنيف جبهة البوليساريو ضمن التنظيمات الإرهابية. فالنظام القانوني الأميركي يعتمد منظومة دقيقة تعرف في الأدبيات القانونية باسم Terrorist Designation Regime، أي نظام تصنيف التنظيمات الإرهابية الأجنبية. ويخضع هذا النظام لآليات تشريعية وتنفيذية متشابكة، تبدأ عادة بمبادرات داخل الكونغرس أو بتقارير أمنية، ثم تمر عبر تقييمات لوزارة الخارجية والأجهزة الاستخباراتية قبل أن تتحول إلى قرار رسمي إذا توافرت الشروط القانونية.
وفق هذا الإطار القانوني، لا يتم تصنيف أي تنظيم إلا إذا توفرت ثلاثة عناصر رئيسية: أن يكون التنظيم أجنبيا، وأن ينخرط في نشاط إرهابي أو يدعم الإرهاب، وأن يشكل هذا النشاط تهديدا للأمن القومي الأميركي أو لمصالح الولايات المتحدة في الخارج. وإذا تحقق هذا التوصيف يمكن إدراج التنظيم ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (Foreign Terrorist Organizations – FTO). ويترتب على هذا التصنيف تطبيق منظومة عقوبات واسعة، من أبرزها تجريم تقديم أي دعم مادي للتنظيم بموجب قانون Material Support to Terrorism المنصوص عليه في المادة 2339B من القانون الجنائي الأميركي، إضافة إلى تجميد الأصول المالية وحظر المعاملات المرتبطة بالتنظيم.
ومن الناحية القانونية يعد إدراج أي تنظيم في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من أخطر الإجراءات في القانون الأميركي، لأنه يحول التنظيم إلى كيان محظور داخل النظام المالي والقانوني للولايات المتحدة. فبمجرد التصنيف يصبح تقديم أي دعم مالي أو لوجستي أو تقني للتنظيم جريمة جنائية يعاقب عليها القانون، كما يمكن تجميد الأصول المرتبطة به وفرض قيود على أعضائه والمتعاملين معه. ولهذا ينظر في الولايات المتحدة إلى التصنيف الإرهابي باعتباره أداة قانونية قوية لعزل التنظيمات وقطع شبكات تمويلها ومنعها من الوصول إلى النظام المالي الدولي.
«تشير هذه المعطيات إلى أن البوليساريو جماعة انفصالية تسعى إلى استقلال الصحراء الغربية، وأن لها تاريخا من الروابط الأيديولوجية والعملياتية مع إيران المصنفة دولة راعية للإرهاب»
— محمد بنطلحة الدكالي
في هذا السياق تحديدا ظهرت داخل الكونغرس الأميركي مبادرات تشريعية تدعو إلى دراسة إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو كتنظيم إرهابي. ففي 24 يونيو 2025 تم تقديم مشروع القانون H.R. 4119 داخل مجلس النواب الأميركي تحت عنوان Polisario Front Terrorist Designation Act من طرف النائب الجمهوري جو ويلسون وبمشاركة النائب الديمقراطي جيمي بانيتا. وتحمل هذه الصيغة المشتركة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي أهمية خاصة، لأن المبادرات المتعلقة بالأمن القومي عندما تحظى بدعم الحزبين تكتسب وزنا سياسيا ومؤسساتيا أكبر داخل الكونغرس.
وقد أحيل المشروع إلى لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء في مجلس النواب، وما يزال حاليا في مرحلة الدراسة. وتتمثل أهميته في أنه يطلب من وزير الخارجية الأميركي إعداد تقرير حول جبهة البوليساريو يتناول قيادتها وبنيتها التنظيمية وأنشطتها ومصادر تمويلها وعلاقاتها الخارجية. وعلى أساس هذا التقرير يتم تقييم ما إذا كانت الجبهة تستوفي شروط تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأميركي. وفي حال تم هذا التصنيف، فإن الإجراءات الممكنة قد تشمل تجميد الأصول المالية، وفرض قيود على السفر، وإدراج القيادات ضمن قوائم العقوبات، إضافة إلى تفعيل عقوبات مالية بموجب Global Magnitsky Act والأمر التنفيذي 13224 المتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب.
ويستند المشروع في تبرير هذه الخطوة إلى قسم تشريعي يسمى Findings، أي الوقائع والمعطيات التي تشكل الأساس القانوني للنص. ويتضمن هذا القسم مجموعة من العناصر التي يرى مقدمو المشروع أنها تستوجب إجراء تقييم رسمي لوضعية التنظيم.
وتشير هذه المعطيات إلى أن البوليساريو جماعة انفصالية تسعى إلى استقلال الصحراء الغربية، وأن لها تاريخا من الروابط الأيديولوجية والعملياتية مع إيران المصنفة دولة راعية للإرهاب. كما يشير النص إلى تقارير تحدثت عن تدريب عناصر من الجبهة في مخيمات تندوف على يد عناصر مرتبطة بحزب الله، إضافة إلى معطيات تتعلق بتطوير قدرات عسكرية تشمل الطائرات المسيرة.
وتتحدث بعض التقارير الإعلامية أيضا عن ظهور معدات أو ذخائر ذات منشأ إيراني في محتويات مرتبطة بالجبهة خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن إشارات إلى تواصل أو لقاءات مع تنظيمات مسلحة أخرى مصنفة إرهابية. وتشكل هذه المعطيات، وفق منطق المشروع، الأساس الذي يبرر طلب إجراء تقييم رسمي لوضعية التنظيم وعلاقاته الخارجية.
ويتقاطع هذا النقاش مع البيئة الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت خلال العقدين الأخيرين إحدى أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية الأمنية. فهذه المنطقة تشهد تداخلا متزايدا بين نشاط الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهو ما جعل الأدبيات الأمنية تتحدث عن ما يسمى المركب الأمني للساحل (Sahel Security Complex)، حيث تتفاعل التهديدات العابرة للحدود ضمن فضاء جغرافي وأمني مترابط.
وقد بدأ المشروع يكتسب دعما إضافيا داخل الكونغرس مع انضمام عدد من النواب إلى قائمة الموقعين عليه. وفي تطور مواز انتقل النقاش إلى مجلس الشيوخ الأميركي، حيث قدم السيناتور تيد كروز في 11 مارس 2026 مشروع القانون S.4063 بدعم من السيناتورين توم كوتون وريك سكوت. ويركز هذا النص على فرض عقوبات في حال تأكد وجود تعاون بين البوليساريو ومنظمات مرتبطة بإيران.
ويعتبر طرح هذا الموضوع داخل مجلسي النواب والشيوخ في الوقت نفسه تطورا مهما في طبيعة النقاش حول التنظيم داخل المؤسسات الأميركية.
ولا تقتصر تداعيات أي تصنيف إرهابي محتمل على التنظيم نفسه. فالقانون الأميركي لا يقتصر في آثاره على الكيان المصنف، بل يمتد أيضا إلى الأفراد أو الكيانات أو الشبكات التي تقدم له دعما ماديا أو لوجستيا. وتشمل هذه العقوبات تجميد الأصول المالية، وحظر التعاملات، وفرض قيود على السفر، إضافة إلى إمكانية ملاحقة الجهات التي يثبت أنها قدمت دعما للتنظيم.
وفي هذا السياق تبرز مسألة الدول التي توفر للتنظيمات المسلحة فضاء جغرافيا أو دعما سياسيا أو لوجستيا. فالقانون الأميركي يميز بين المسؤولية المباشرة للدول والمسؤولية التي قد تقع على الأفراد أو الكيانات المرتبطة بها. لكن في حال تصنيف تنظيم ما ككيان إرهابي، فإن أي علاقة مالية أو لوجستية مثبتة معه قد تصبح موضوع تدقيق أو عقوبات.
وهنا تبرز الجزائر بوصفها الدولة التي تستضيف قيادة البوليساريو وتوفر لها المجال الجغرافي والسياسي لنشاطها في مخيمات تندوف. وفي حال حدوث تصنيف إرهابي رسمي فإن هذا الواقع قد يضع عددا من القنوات المرتبطة بالجبهة تحت مجهر المؤسسات المالية والأمنية الدولية.
وتظهر التجارب الدولية السابقة أن التصنيف الإرهابي يمكن أن يغير جذريا مصير التنظيمات المسلحة. فقد أدى إدراج جماعات مختلفة في قوائم الإرهاب خلال العقود الماضية إلى عزلها ماليا وسياسيا وتقليص قدرتها على الحركة والتمويل. فالعقوبات المرتبطة بالإرهاب لا تستهدف فقط القيادات أو المقاتلين، بل تشمل أيضا الشبكات المالية وشركات الواجهة والقنوات اللوجستية التي يعتمد عليها التنظيم.
وفي عالم أصبحت فيه مكافحة الإرهاب أحد المحاور المركزية في السياسة الدولية، فإن الانتقال من نزاع مسلح إلى دائرة التصنيف الإرهابي لا يمثل مجرد تغيير في التوصيف أو في الخطاب السياسي، بل تحولا عميقا في موقع التنظيم داخل النظام الدولي. فالتنظيم الذي يدخل منظومة مكافحة الإرهاب لم يعد يُنظر إليه كطرف في نزاع سياسي، بل ككيان أمني خاضع لمنظومة قانونية ومالية صارمة. وعند هذه النقطة تصبح علاقاته مع الدول ومختلف الفاعلين ضمن منظومة العلاقات الدولية محكومة بقواعد مكافحة الإرهاب والعقوبات الدولية، وليس بمنطق النزاعات السياسية التقليدية.


