بعد أسبوعين فقط من جولة مدريد التي عقدت يومي ثامن وتاسع فبراير، تواصل واشنطن من ضغوطها. فجهودها الديبلوماسية لا تفتر. وهكذا، ستحتضن العاصمة الفيدرالية يومي 23 و24 فبراير جولة جديدة من المباحثات مخصصة للصحراء، وهو الاجتماع الثالث في أقل من شهر بعد الجولة الأولى التي عقدت في أواخر يناير في واشنطن. الخلاصة الرئيسية الأولى: إدارة ترامب لم تعد ترغب في عملية ممتدة في الزمن. إنها تريد التوصل إلى حل، وتريده سريعا وعاجلا.
الوتيرة مفاجئة في كثافتها. ففي نهاية يناير في واشنطن، ثم في مدريد يومي ثامن وتاسع فبراير، ثم مجددا في واشنطن يومي 23 و24 فبراير: لم يسبق أن شهدت قضية الصحراء مثل هذا الاجتماعات الدبلوماسية خلال فترة زمنية وجيزة. وقد دعا مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى إفريقيا، إلى هذه الجولة الأخيرة من المحادثات. وإلى جانبه، يشارك سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، في قيادة عملية تتم تحت الإشراف المباشر لواشنطن. ومرة أخرى، لم يكن أمام الجزائر خيار سوى أن تحني ظهرها صاغرة وتشارك في هذه الجولة، بعد أن عرقلت العملية السياسية منذ عام 2019 برفضها المشاركة في اجتماعات الموائد المستديرة التي كانت ترعاها الأمم المتحدة، بل وذهبت إلى حد إعلان أن قرارها «لا رجعة فيه».
كل العنتريات انتهت الآن. وإلى جانب وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ستضم المحادثات نظيره الجزائري أحمد عطاف، ووزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، ومحمد يسلم بيسط، ممثلا عن جبهة البوليساريو. سيحضر أيضا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، هذا الاجتماع الذي ترعاه أيضا الأمم المتحدة. وتدعم هذه الأخيرة المسار السريع الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتأتي هذه الجولة الأخيرة من المحادثات خلال شهر رمضان، ما يحمل دلالة رمزية قوية: فالوتيرة التي حددتها واشنطن لا تسمح بأي توقف أو تعديل. ففي حوار مع قناة فرانس 24، بث يوم 16 فبراير، أكد مسعد بولس على ضرورة إنهاء هذا النزاع. وصرح قائلا: «هل ستعقد اجتماعات أخرى بعد مدريد ؟ نعم، ستستمر هذه الاجتماعات. لكنها لن تكون إلى ما لا نهاية، فلا مجال للعجلة أو إضاعة الوقت». قبل ذلك بأيام، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، صرح لقناة دويتشه فيله بأن النزاع « يسير بالفعل نحو الحل » وأن واشنطن ترغب في عملية « سريعة ». كان التصريح متزنا، لكن العزم كان واضحا: يتعلق الأمر بالتوصل إلى اتفاق قبل الصيف.
اتفاق-إطار
ما تفسير هذه الوتيرة؟ أولا، بسبب الموعد الأممي المحدد. فبحسب القرار 2797، يفترض أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة، بعد ستة أشهر من المصادقة على النص في 31 أكتوبر، أي بحلول نهاية أبريل المقبل، مراجعة استراتيجية بشأن الولاية المستقبلية لبعثة المينورسو، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج المفاوضات. إن التوصل إلى اتفاق-إطار قبل ماي سيمكن الولايات المتحدة من تقديم عملية واضحة، ذات آثار مهمة على ولاية بعثة المينورسو، وبالتالي على دور الأمم المتحدة برمته في هذا الملف. وبالتالي، فإن الولايات المتحدة، من خلال الوتيرة التي تفرضها في المفاوضات، تريد ألا يكون القرار المقبل بشأن قضية الصحراء بأي حال من الأحوال شبيها بالقرارات السابقة. وهكذا، فإن نهاية النزاع الحتمية على المحك.
ثانيا، لأن القرار 2797، الذي تم تبنيه وضع الإطار المحدد. فمن خلال ترسيخ أولوية الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية، قيد النص نطاق الخيارات المتاحة. وتعتزم واشنطن، بصفتها صاحبة القلم التي صاغت القرار في مجلس الأمن، الانتقال الآن من صياغة المبادئ إلى تطبيقها العملي. ويتمحور النقاش حول نسخة منقحة من مخطط الحكم الذاتي المغربي. وتفصل الوثيقة الجديدة، المؤلفة من أربعين صفحة، الصلاحيات الممنوحة لسلطة جهوية في مجالات التعليم، والصحة، والتنمية الاقتصادية، والثقافة. أما الصلاحيات السيادية -كالدفاع والدبلوماسية والعملة- فتمارس حصريا من قبل الرباط.
مشاركة أمريكية رفيعة المستوى
وبغض النظر عن الأجندة، فإن درجة المشاركة الأمريكية هي التي تشكل نقطة تحول. فلم تعد الاجتماعات مجرد لقاءات استطلاعية تحت رعاية الأمم المتحدة، بل أصبحت منظمة ومؤطرة وتحظى بمتابعة من أعلى مستويات السلطة التنفيذية الأمريكية. يعمل مسعد بولس مباشرة مع البيت الأبيض، بينما يؤمن مايكل والتز التنسيق مع مجلس الأمن. وتحدد واشنطن التوقيت وجدول الأمل والهدف.
وتتجاوز هذه المشاركة الجانب الدبلوماسي البحت. ففي الكونغرس، يناقش بعض المنتخبين إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، وهي فرضية، حتى وإن لم تفعل، تشكل ورقة ضغط. وفي الوقت نفسه، تحافظ الولايات المتحدة على موقفها الحازم تجاه الجزائر بشأن حصولها على أسلحة روسية، ملوحة بقانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات.
على أي حال، اختارت واشنطن تركيز العملية في يدها، ما يقلل عدد الفاعلين، وبالتالي تفادي خطر الخلاف الدبلوماسي. لذلك، قد يكون يومي 23 و24 فبراير لحظة حاسمة. لكن ثمة أمر واحد مؤكد: لم يسبق للولايات المتحدة أن انخرطت بهذا الشكل في تدبير قضية الصحراء. ومن خلال فرض أجندة محددة وواضحة وتولي الإشراف المباشر على العملية، تظهر واشنطن تصميما نادرا على تحويل هذه الدينامية الدبلوماسية إلى تسوية سياسية نهائية بحلول نهاية السنة الجارية.




