الصحراء: الإدارة الأمريكية تبعث رسائل جديدة إلى الجزائر

مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبير مستشاريه للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس

في 08/01/2026 على الساعة 11:22, تحديث بتاريخ 08/01/2026 على الساعة 11:30

في حوار أجراه مع صحيفة «النهار» اللبنانية مطلع العام الجاري، أكد مسعد بولس، المستشار الرئيسي للرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ثبات دعم واشنطن للمغرب، مع إعادة تحديد معالم الحوار مع الجزائر وحصره في المجال الاقتصادي بوضوح تام. وتأتي هذه الخطوة بمثابة يد ممدودة وتحذير في آن واحد، في سياق يتسم بغياب مبادرات ملموسة من جانب الجزائر.

تواصل الإدارة الأمريكية نهجها بوضوح؛ فمن خلال مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب، تعيد واشنطن مع بداية عام 2026 طرح ملف الصحراء وتذكير الجزائر بمسؤولياتها.

ويرسم الحوار مع «النهار» معالم الطريقة التي تنوي بها واشنطن تدبير ملف الصحراء وعلاقاتها مع الجزائر في وقت واحد. ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي بعد شهرين من اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي حلا للنزاع، وهو القرار الذي وصفته واشنطن بالتاريخي. كما يتزامن مع المهلة التي أعلن عنها ستيف ويتكوف، مبعوث دونالد ترامب للشرق الأوسط، لتحقيق «اتفاق سلام» بين المغرب والجزائر.

وردا على سؤال حول وضع العلاقات الأمريكية الجزائرية بعد هذا التصويت، أشار مسعد بولس في البداية إلى أن الولايات المتحدة والجزائر تجمعهما «شراكة قوية لتعزيز السلام الإقليمي والأمن والازدهار». لكنه أوضح مباشرة طبيعة هذه الشراكة، مؤكدا أن واشنطن تأمل قبل كل شيء في انفتاح اقتصادي جزائري، قائلا: «تأمل الولايات المتحدة في تسهيل الوصول التجاري للشركات الأمريكية إلى السوق الجزائرية والتعاون في فرص الازدهار المتبادل». وهذا يعني أن التقارب الذي تنشده الولايات المتحدة مع الجزائر ذو طابع تجاري بحت، يقوم على انفتاح السوق وخلق ظروف ملائمة للفاعلين الاقتصاديين الأمريكيين.

أما بخصوص ملف الصحراء، فقد كانت نبرة بولس أكثر حزما، حيث شدد على عزم الرئيس ترامب تعزيز سلام دائم في المنطقة والعمل من أجل مستقبل أفضل لشعوبها. وأشاد صراحة بالتصويت التاريخي الذي أدى إلى اعتماد القرار 2797، الذي يكرس خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات المقبلة. وأبرز بولس أن هذا القرار يجب أن يفهم كـ«لحظة فريدة تتيح تحفيز دينامية سلام طال انتظارها في الصحراء الغربية»، وهي دينامية أصبحت ممكنة بفضل «الشراكة العميقة والتعاون المستمر بين الولايات المتحدة والمغرب».

هذه القراءة الأمريكية تندرج ضمن خط ثابت يواصل بولس تأكيده؛ ففي أبريل 2025، صرح بأن موقف واشنطن من الصحراء واضح ومتسق ولا لبس فيه، مذكرا بأن خطة الحكم الذاتي هي الحل الواقعي والوحيد للنزاع. وفي يوليوز 2025، جدد التأكيد على أن واشنطن تواصل جهودها للتوصل إلى تسوية سياسية نهائية بناء على إطار الحكم الذاتي.

وفي سبتمبر 2025، شدد على أن التقدم المحرز في الملف لا ينفصل عن الشراكة الاستراتيجية مع المغرب، بما في ذلك الجانب الاقتصادي عبر استثمارات أمريكية في الأقاليم الجنوبية.

ويؤكد الحوار مع «النهار» صرامة الموقف الأمريكي، حيث لا يوجد أي ربط بين الانفتاح الاقتصادي الموعود للجزائر وبين أي مراجعة لسياسة واشنطن بشأن الصحراء. بل على العكس، يوحي خطاب بولس بفصل تام بين الملفين: دعم سياسي ودبلوماسي واستراتيجي ثابت للمغرب، ويد ممدودة للجزائر في المجال الاقتصادي فقط، شريطة أن تترجم إلى أفعال ملموسة.

هذا الإصرار يعكس نوعا من نفاد الصبر؛ فالمغزى الضمني لرسالة بولس هو أن وقت التصريحات قد انتهى، وأن الولايات المتحدة تنتظر خطوات ملموسة تحول الجزائر إلى شريك سلام في المنطقة وشريك اقتصادي جذاب حقا. فالبلاغة الجزائرية بشأن الصحراء، والوعود بآفاق تجارية لا حدود لها، لم تنتج أي أثر ملموس حتى الآن.

إن تصريحات مسعد بولس تعني استعادة إدارة ترامب لزمام المبادرة في ملفي الصحراء والجزائر. وبعد أشهر من القرار الأمامي التاريخي، تسعى واشنطن للانتقال من إدارة المواقف إلى تحقيق النتائج. فبعد المناورات الدبلوماسية التي تلت التصويت، حان وقت العمل لترسيخ دينامية السلام وتحديد مكانة الجزائر في التوازنات الإقليمية بشكل براغماتي.

إن دعم المغرب في قضية الصحراء حازم ودائم وغير قابل للتراجع، بينما يظل الحوار مع الجزائر مفتوحا لكنه مشروط بتحول حقيقي والتكيف مع الواقع الجديد. فبالنسبة لواشنطن، لم يعد هناك مجال للغموض، بل للانخراط في دينامية دولية قيد إعادة التشكيل، وعلى الجزائر أن تتحرك بسرعة.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 08/01/2026 على الساعة 11:22, تحديث بتاريخ 08/01/2026 على الساعة 11:30