في ظل عزلتها التامة على الساحة الدولية بخصوص ملف الصحراء، خصوصا منذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يكرس مخطط الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد وواقعي، تصر الجزائر على إحياء الموضوع داخل الاتحاد الإفريقي. لكن دون جدوى، فالفشل كان مستمرا.
كان حدثان نُظما على التوالي في الجزائر تحت رعاية الاتحاد الإفريقي خير دليل على ذلك. رأى النظام فيهما فرصة للدفع بأجندته ومحاولة تقديم الصحراء، مرة أخرى، على أنها «آخر مستعمرة في إفريقيا».
وفي كل مناسبة: السجادة الحمراء، بروتوكول ملكي في قصور الجزائر، خطابات حماسية لوزير الخارجية أحمد عطاف، لقاءات ثنائية متسلسلة، وعمليات استمالة لكسب الدعم. ومع ذلك، انتهت كل محاولة بفشل مُدو. فقد كان من المستحيل فرض العودة المصطنعة لقضية الصحراء إلى الأجندة الإفريقية، لاسيما وأن الاتحاد الإفريقي قد سحب يده من الملف رسميا منذ عام 2018 لصالح الأمم المتحدة حصريا.
الحدث الأول: مؤتمر تجريم الاستعمار
في يومي 30 نونبر و1 دجنبر الماضيين، حاولت الجزائر تحويل «المؤتمر الدولي حول تجريم الاستعمار في إفريقيا» سياسيا، رغم أن الاتحاد الإفريقي صممه لدعم المطالب الإفريقية المتعلقة بالتعويضات. واستغل النظام استضافة الحدث على أرضه، وسعى إلى دس سردية في «إعلان الجزائر» تُشبه الصحراء بـ«آخر مستعمرة في إفريقيا»، أملاً في فرض عودتها إلى الإطار القاري الشامل.
وقد كشفت المناورة من خلال الخطاب الهجومي لأحمد عطاف، الذي ركز على الصحراء وكان منفصلا تماما عن الولاية الفعلية للمؤتمر. والهدف كان تجاوز القرار 693 للاتحاد الإفريقي، الذي اعتُمد في نواكشوط عام 2018، والذي يقصر دور المنظمة على دعم الأمم المتحدة ويمنع أي معالجة للملف خارج آلية «الترويكا» المحدودة.
لكن مناورة الجزائر سرعان ما باءت بالفشل. هذه المحاولة لإعادة فتح ثغرة مؤسسية لاستئناف نشاطها اصطدمت برفض بالإجماع داخل الاتحاد الإفريقي. فـ«إعلان الجزائر» الذي اعتُمد في ختام المؤتمر، يحدد إطارا قاريا مخصصا حصريا للذاكرة والحقيقة والعدالة. ولا يتضمن أي إشارة لملف الصحراء، لا من قريب ولا من بعيد.
يظل النص مركزا بشكل صارم على الجرائم الاستعمارية وتداعياتها. ويوصي الإعلان على وجه الخصوص بتكريس يوم30 نونبر «يوما إفريقيا» إحياء لذكرى ضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي والاستعمار والفصل العنصري، بهدف ترسيخ دائم لذاكرة المعاناة التي لحقت بشعوب القارة. كما يطالب القوى الاستعمارية السابقة بالاعتراف العلني بالجرائم المرتكبة وتحمل مسؤولياتها التاريخية كاملة.
ويدعو الإعلان أيضا إلى تدقيق قاري لقياس الأثر الاقتصادي للنظام الاستعماري، كخطوة أولى نحو استراتيجية للتعويضات تشمل استرداد الثروات المنهوبة، وإلغاء الديون، وتوفير تمويل عادل للتنمية.
ويطالب أخيرا بإصلاح شامل للهيكل المالي العالمي، لضمان سلطة قرار حقيقية للدول الإفريقية داخل المؤسسات الدولية ووصول أكثر عدلاً إلى التمويل.
«النكسة»
بمواجهة حجم الرهانات التي تناولها المؤتمر، لم يكن لمجموعة من المرتزقة المجندين لخدمة أجندة الجزائر أي شرعية للمشاركة في النقاش. لا يتضمن الإعلان أي بند أو تلميح أو أدنى صياغة تسمح بربط ملف الصحراء، وهذا دليل ساطع على أن الملف لا يندرج ضمن موضوع ولا نطاق ولا روح النص المعتمد.
وقد أكدت هذه الواقعة فقط عزلة النظام، التي سبق أن أبرزها التجاهل البارد للأمين العام للأمم المتحدة تجاه أحمد عطاف خلال قمة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي في لواندا، وهو مشهد انتشر على نطاق واسع.
بعد أن وُضعت في الزاوية، حاولت الجزائر تنظيم «حدث دبلوماسي» جديد لفرض الإشارة إلى الصحراء. وكانت هذه المرة بمناسبة النسخة الـ12 من الندوة رفيعة المستوى حول السلم والأمن في إفريقيا، التي عُقدت أيضا في الجزائر يومي 1 و2 دجنبر. لكن المحاولة قوبلت برفض قاطع، خاصة من رئاسة مجلس السلم والأمن، وهو الجهاز التنفيذي للاتحاد الإفريقي، الذي كانت ترأسه كوت ديفوار في دجنبر.

وقد تميز وزير خارجية كوت ديفوار ووزير الاندماج الإفريقي وشؤون الإيفواريين في الخارج، ليون كاكاو أدوم، الذي أدار أعمال الندوة، بحزم لا غبار عليه، حيث رفض بشكل لا لبس فيه إدراج أي إشارة إلى الصحراء في البيان الختامي للندوة. وقد حدث كل هذا على مرأى ومسمع من مفوض الاتحاد الإفريقي للشؤون السياسية والسلم والأمن، بانكولي أديوي (نيجيريا).

لم يكن الرفض بسبب عدم إصرار الجزائر. فقد استغلت الندوة، التي أصبحت تُسمى «مسار وهران» في نسختها المحلية، لكي تحاول، مرة أخرى، إعادة إشراك الاتحاد الإفريقي في ملف الصحراء المغربية، عبر سعيها لتمويه أطروحتها الانفصالية كـ«موقف قاري مزعوم».
وكثف أحمد عطاف اللقاءات الثنائية وعمليات الاستمالة، محاولا إحياء دور إفريقي في ملف يقع، منذ عقود، حصريا ضمن الإطار الأممي. لكن لم ينجح أي شيء: فقد ظلت مفوضية الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن صامدين.
هذا الثبات يحرم الجزائر من الدعم المؤسسي الذي كانت تأمل في انتزاعه مجددا. وقد اختُتمت الندوة دون أي بيان ختامي، وهو علامة واضحة على عجز النظام عن فرض أجندته، وعلى الغياب التام لأي إجماع حول الرؤية التي كان يحاول تمريرها. وهكذا تسجل الدبلوماسية الجزائرية فشلا جديدا حتى في معقلها. فلم ينجح الاستقبال بحفاوة، ولا حشد الفنادق الخمس نجوم القليلة في العاصمة، ولا النفقات الباهظة التي أُنفقت على حساب دافعي الضرائب، في ترجيح الكفة.
تراجع النفوذ
تأتي هذه الخطوة في سياق دبلوماسي غير موات للجزائر بشكل خاص، حيث تضاءل الدعم الدولي لأطروحة «البوليساريو» بشكل كبير، وأصبح عبئا ثقيلا على النظام الجزائري. وفي الوقت نفسه، يفرض مخطط الحكم الذاتي المغربي نفسه ويكتسب المزيد من الشرعية، كما يؤكد قرار مجلس الأمن رقم 2797. وقد أدت محاولات استغلال قضية الصحراء باسم السيادة الإفريقية إلى تقويض نفوذ الجزائر بشكل نهائي، بما في ذلك في القارة التي كانت تعتبرها يوماً ما مجالها الخاص.
يتجه الاتحاد الإفريقي الآن بشكل لا لبس فيه نحو دعم المسار الأممي، معترفا في مخطط الحكم الذاتي المغربي بالسبيل الوحيد الموثوق به للوصول إلى حل نهائي. وقد انتهت المناورات الهادفة إلى تحويل الرهانات القارية الكبرى إلى منصات حصرية للأطروحة الانفصالية بفشل ذريع.
هذه الجهود التي اقتصرت على ضجيج إعلامي عقيم، اصطدمت بالواقع القاسي. لدرجة أنه أصبح يُتحدث، حتى داخل صفوف النظام ومن بين وكلائه، عن «نكسة»، وهي هزيمة لم يعد للنظام أمامها سوى رافعة واحدة: الإنكار.




