بنطلحة يكتب: الحروب وثمن السلام.. من وهم الحسم إلى منطق التوازن

محمد بنطلحة الدكالي

في 24/03/2026 على الساعة 16:29

مقال رأيتندرج الحروب في صلب العلاقات الدولية بوصفها أداة لتحقيق المصالح وتأمين شروط البقاء، وليست مجرد انفجارات عشوائية للعنف. فمنذ نشأة الدولة الحديثة، ظل الصراع مرتبطا بالبحث عن القوة، سواء في بعدها العسكري أو الاقتصادي أو الجيوسياسي، ضمن منطق تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه القيم أو الانفعالات.

في هذا الإطار، ساد في التحليل التقليدي تصور يقوم على ما يعرف بالمعادلة الصفرية (Zero-sum)، حيث يفترض أن النصر الكامل لطرف يستلزم الهزيمة الكاملة للطرف الآخر. غير أن التجربة التاريخية، وخاصة في الحروب الحديثة، كشفت حدود هذا التصور. فبدلا من الحسم السريع، تميل النزاعات المعاصرة إلى الامتداد والاستنزاف، مما يفرغ فكرة « النصر المطلق » من مضمونها العملي، ويدفع الأطراف نحو صيغ أقرب إلى المعادلات غير الصفرية (Non-zero-sum)، حيث تفرض الكلفة المرتفعة للحرب البحث عن توازنات وتسويات، ولو بشكل غير مباشر.

هذا التحول لا يرتبط فقط بطول أمد الحروب، بل أيضا بطبيعة آثارها. فالحرب لم تعد حدثا عسكريا محدودا، بل أصبحت ظاهرة شاملة تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث يؤدي استمرارها إلى تضخم مرتفع، واضطراب في سلاسل الإمداد، وتراجع في النمو، إلى جانب آثار اجتماعية عميقة. وبهذا المعنى، فإن كلفة الحرب لم تعد تقاس فقط بالخسائر البشرية أو الميدانية، بل بقدرتها على إضعاف البنية الكلية للدولة والمجتمع.

ومن هنا يتضح أن السعي إلى تحقيق «كل شيء مقابل لا شيء» يصبح، في أغلب الحالات، رهانا غير واقعي. فحتى في الحالات التي تحقق فيها دولة تفوقا عسكريا، فإن تحويل هذا التفوق إلى مكسب سياسي مستقر يظل مسألة معقدة، لأن الحرب الحديثة لا تحسم فقط في الميدان، بل في القدرة على إدارة ما بعد الصراع.

«في ضوء هذه المعطيات، يصبح السلام ذاته نتيجة معقدة، وليس حالة طبيعية أو تلقائية. فهو لا يتحقق بمجرد غياب الحرب، بل عبر توازن دقيق بين الردع والمصلحة والعقلانية»

—  محمد بنطلحة الدكالي

في موازاة ذلك، يشهد النظام الدولي تصاعدا ملحوظا في مستويات التسلح، حيث بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستويات قياسية، وهو ما يعكس عودة مركزية القوة في العلاقات الدولية. غير أن هذا التصاعد لا يعني بالضرورة اقتراب حرب شاملة، بل يعكس منطقا أعمق يرتبط بما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ« معضلة الأمن » (Security Dilemma). فكل دولة تسعى إلى تعزيز أمنها عبر زيادة قدراتها، لكنها بذلك تنتج شعورا بعدم الأمن لدى الآخرين، مما يدفعهم بدورهم إلى التسلح، فتدخل الأطراف في حلقة متصاعدة من الشك المتبادل.

هذا التوازن الهش يجد أحد أهم تجلياته في مسألة الردع النووي. فالسلاح النووي، رغم طبيعته التدميرية، لم يستخدم في الحروب الكبرى المعاصرة، ليس لغياب القدرة، بل لحضور الكلفة القصوى. وفي هذا السياق، ينظر إليه توماس شيلينغ (Thomas Schelling) كأداة نفوذ أكثر منه أداة استخدام، إذ تكمن قوته في كونه يغير حسابات الخصم دون الحاجة إلى اللجوء إليه فعليا. أما كينيث والتز (Kenneth Waltz)، فيرى أن توازن القوى (Balance of Power)، بما في ذلك التوازن النووي، يسهم في ضبط سلوك الدول ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، لأن الخسارة المحتملة تصبح غير قابلة للتحمل.

غير أن هذا المنطق لا يلغي التوتر، بل يعيد تشكيله. فقد انتقلت الحروب إلى مستويات أقل وضوحا وأكثر تعقيدا، حيث تتداخل العمليات العسكرية المحدودة مع الضغط الاقتصادي، والتأثير الإعلامي، والحرب النفسية. وفي هذا السياق، يبرز دور البروباغندا في تضخيم احتمالات الصدام الشامل، خاصة النووي، بما يخلق حالة من القلق الجماعي قد تخدم أهدافا سياسية أو استراتيجية معينة.

رغم ذلك، فإن سلوك الدول لا ينفصل في الغالب عن حسابات عقلانية، حتى في لحظات التوتر القصوى. فالدولة، بوصفها فاعلا عقلانيا (Rational Actor)، لا تقدم على الحرب إلا إذا رجحت كفة المكاسب المتوقعة على الخسائر المحتملة، أو إذا أصبحت كلفة تجنب الصراع أعلى من كلفة خوضه. ومع ذلك، فإن هذا التقدير يظل محفوفا بعدم اليقين، لأن الحروب بطبيعتها تتجاوز في كثير من الأحيان الحسابات الأولية التي تنطلق منها.

في ضوء هذه المعطيات، يصبح السلام ذاته نتيجة معقدة، وليس حالة طبيعية أو تلقائية. فهو لا يتحقق بمجرد غياب الحرب، بل عبر توازن دقيق بين الردع والمصلحة والعقلانية. ومن ثم، فإن «ثمن السلام» لا يقل في جوهره عن كلفة الحرب، لأنه يتطلب تنازلات، وجرأة سياسية، وقدرة على إدراك حدود القوة وإمكاناتها.

في المحصلة، تكشف الحروب المعاصرة عن تحول عميق في منطق الصراع: من البحث عن الحسم إلى إدارة التوازن، ومن السعي إلى الانتصار المطلق إلى تجنب الخسارة الشاملة. وهذا ما يجعل السلام، في عالم اليوم، ليس خيارا سهلا، بل نتيجة حسابات دقيقة تدرك أن البديل قد يكون أكثر كلفة وخطورة.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 24/03/2026 على الساعة 16:29