وتعد هذه الخطوة مرحلة جديدة في المسار التشريعي بواشنطن، حيث يأتي مشروع القانون الذي صاغه ثلاثة من أبرز السيناتورات الجمهوريين في سياق تشديد الخطاب الأمريكي تجاه البوليساريو وحاضنتها الجزائر.
وقدم السيناتورات الثلاثة «قانون تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية لعام 2026»، وهي مبادرة تلزم وزير الخارجية الأمريكي بتصنيف الحركة رسميا كمنظمة إرهابية في حال تأكد تعاونها مع جماعات إيرانية مدرجة أصلا على قوائم الإرهاب الأمريكية.
ويأتي هذا التشريع في ظل قلق متزايد في واشنطن بشأن نفوذ الحرس الثوري الإيراني والشبكات المدعومة من طهران في مناطق استراتيجية، لا سيما في منطقة الساحل.
وفي بيان رافق تقديم النص، اتهم تيد كروز، المقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجبهة بالحفاظ على روابط عملياتية مع منظمات إرهابية تدعمها إيران.
وأوضح السيناتور الجمهوري أن «النظام الإيراني يحاول تحويل جبهة البوليساريو إلى نسخة موازية للحوثيين في غرب إفريقيا، واستخدامها لتقويض الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائنا».
وأضاف أن «جبهة البوليساريو تعمل مع جماعات إرهابية إيرانية، وتتلقى طائرات مسيرة من الحرس الثوري الإسلامي، وتقوم بنقل الأسلحة في المنطقة لحساب النظام الإيراني».
تأثير العقوبات
سيضمن مشروع القانون هذا تفعيل أقوى العقوبات الأمريكية لمكافحة الإرهاب في مواجهة هذه التهديدات. وفور إقرار التصنيف، سيحرم تنظيم البوليساريو وقادته من الولوج إلى النظام المالي العالمي، ومن السفر الدولي، ومن الموارد التي يعتمدون عليها لتنفيذ أنشطتهم الإرهابية.
من جانبه، تبنى توم كوتون خطابا مباشرا أكد فيه أن «جبهة البوليساريو منظمة إرهابية تدعم إيران وحزب الله علانية، وقد حان الوقت لتصنيف هؤلاء الإرهابيين بصفتهم هذه». أما ريك سكوت، فقد وسع دائرة الانتقاد لتشمل قوى أخرى تعتبرها واشنطن معادية، وصرح قائلا: «أعتز بالانضمام إلى السيناتور كروز لدعم قانون تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، لضمان امتلاك الولايات المتحدة الأدوات اللازمة للتحقيق الكامل مع هؤلاء الإرهابيين ومحاسبة المسؤولين عن أفعالهم. إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الإرهابيين، وهذا المشروع يؤكد بوضوح أن أي تهديد للشعب الأمريكي ونمط عيشنا سيواجه بتحرك حاسم».
وعلى الصعيد العملي، يطلق «قانون تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية لعام 2026» عملية رسمية قد تنتهي بإدراج الجبهة ضمن قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية» (FTO) وقائمة «الإرهابيين العالميين المحددين بشكل خاص» (SDGT)، وذلك في حال ثبوت التعاون العسكري أو الإرهابي مع تنظيمات تابعة لإيران.
وينص المشروع خصوصا على إلزام وزير الخارجية بتقديم تقرير مفصل حول أوجه التعاون المحتملة في مجالات حساسة، تشمل المشاركة المسلحة في العمليات العسكرية، وأنظمة الأسلحة بما فيها الأسلحة الفردية، والطائرات المسيرة ومكوناتها التجارية، والأنظمة القادرة على رصد أو تدمير الأهداف الجوية، بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي العسكري الذي يشمل المراقبة وتحديد الأهداف والاستخبارات الإلكترونية والبشرية.
وبالنسبة لتيد كروز، فإن تقديم هذا النص يعد تجسيدا لالتزام قطعه قبل أسابيع؛ ففي 3 فبراير 2026، وخلال جلسات استماع بمجلس الشيوخ خصصت للأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، أثار السيناتور عن ولاية تكساس إمكانية طرح مبادرة تشريعية تستهدف البوليساريو. وكانت تلك الجلسات، التي نظمتها اللجنة الفرعية المكلفة بالشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، قد سلطت الضوء على المخاوف المتزايدة في واشنطن بشأن الشبكات المسلحة العاملة في المنطقة وارتباطاتها الدولية.
كما ركزت النقاشات بين البرلمانيين ومسؤولي وزارة الخارجية على ضرورة سد ما يعتبره بعض المشرعين ثغرات مستمرة في استراتيجية مكافحة الإرهاب الإقليمية، أمام بروز تحالفات تثير القلق بين الجماعات المسلحة وقوى أجنبية.
«حوثنة» البوليساريو
خلال جلسة الاستماع تلك، قدم تيد كروز مداخلة كانت من بين الأكثر لفتًا للانتباه، حيث أشار إلى أن «الأنشطة الإرهابية في منطقة الساحل هي أيضا من فعل البوليساريو، مما يشكل ثغرة كبيرة في استراتيجيتنا لمكافحة الإرهاب». كما اتهم السيناتور إيران بالسعي لتوظيف الحركة الانفصالية لتوسيع نفوذها في المنطقة، مضيفا أن «إيران تحاول تحويل البوليساريو إلى ما يشبه الحوثيين في غرب إفريقيا، لتكون قوة وكيلة قادرة على شن حرب تهدد الاستقرار الإقليمي وتضغط على شركاء الولايات المتحدة».
ووفقا له، فإن هذا التعاون بات له تداعيات ميدانية، إذ أوضح أنه «كلما رغبت إيران في ممارسة نفوذها، تعاونت البوليساريو مع الجماعات الإرهابية الإيرانية». وتحدث كروز بشكل خاص عن وصول مفترض للحركة إلى طائرات مسيرة مقدمة من الحرس الثوري الإيراني، فضلا عن نقل أسلحة إلى جماعات جهادية تنشط في الساحل.
وفي ختام تلك الجلسة، أعلن عن إعداد نص تشريعي قائلا: «أعتقد أنه يجب تصنيف البوليساريو جماعة إرهابية، وقد أعددت مشروع قانون بهذا الشأن إذا لم تغير سلوكها». واليوم، أصبح الأمر واقعا.
وتأتي هذه المبادرة في مجلس الشيوخ في وقت تشهد فيه الغرفة الثانية، مجلس النواب، دينامية مماثلة حول مشروع قانون يهدف بدوره إلى دراسة إدراج البوليساريو على القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية.
وكان هذا المقترح قد وضع في البداية في 24 يونيو 2025 من قبل النائبين جو ويلسون وجيمي بانيتا، وصار يحظى الآن بدعم عشرة نواب على الأقل.
وفي 9 مارس 2026، أعلنت النائبة الجمهورية كلوديا تيني انضمامها إلى النص، لتصبح البرلمانية العاشرة التي تدعم هذه المبادرة. وجاء هذا التأييد بعد أقل من أسبوع على انضمام النائب دون بيكون في 3 مارس 2026. وكانت النواة الأولى للنص تضم ستة برلمانيين هم: جو ويلسون، وجيمي بانيتا، وماريو دياز بالارت، وجيفيرسون شريف، وراندي فاين، ولانس غودن، قبل أن ينضم إليهم منذ فبراير الماضي كل من بات هاريجان، وزاكاري نان، ودون بيكون، وكلوديا تيني. ويعكس التزايد السريع في عدد الموقعين تشكل جبهة برلمانية من الحزبين حول هذه القضية في «الكابيتول».
إن طرح مشروع القانون في مجلس الشيوخ، بالتوازي مع التعبئة المتزايدة في مجلس النواب، يجسد تحولا في المناخ السياسي الأمريكي تجاه قضايا الأمن في شمال إفريقيا والساحل، وكذا تجاه جبهة البوليساريو. وبات بعض المشرعين الأمريكيين يدعون الآن إلى تبني نهج أكثر صرامة مع الأطراف المشتبه في إقامتها علاقات مع قوى معادية أو منظمات إرهابية. وفي هذا السياق، قد يصبح الجدل حول الاحتمال القائم لتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أحد الملفات الحساسة في السياسة الخارجية الأمريكية مستقبلا.








