تعود الجذور الصحراوية للمغرب إلى القرن الثامن الميلادي، وهو ما يجسده تأسيس مدينة سجلماسة كمركز تجاري ومحطة إلزامية للقوافل العابرة للصحراء والمتوجهة نحو بلاد الساحل أو العائدة منها. وباعتبارها حلقة وصل ومحورا يربط بين إفريقيا «البيضاء» وإفريقيا «السوداء»، كانت سجلماسة مقصدا للتجار القادمين من فاس ومن كافة الحواضر المغربية الساحلية والداخلية، وكذا من تلمسان. ويبدو موقعها الاستراتيجي جليا، إذ كانت تشكل رأس مروحة من المسارات التي تربطها بالأسواق الكبرى في الساحل والصحراء وحوض المتوسط.
أقيمت سجلماسة في قلب واحة تافيلالت على مرتفع يطل على وادي زيز، مما أتاح لها التحكم في الموارد المائية وضمان الدفاع عن المدينة. وقد أثار اسم سجلماسة نقاشات علمية مستفيضة، لعل أقواها فرضية الأصل الأمازيغي «سيگ إلماس» أو «إيسجلماسن»، وتعني «المكان المطل على المياه» أو «سادة الماء».
جاء تأسيس سجلماسة نتيجة للثورة الأمازيغية الكبرى (739-743م) ضد الولاة الأمويين، حيث اعتنق أمازيغ المغرب، ولاسيما من قبائل مكناسة الزناتية، المذهب الخارجي. ونحو عام 757م، وتفاديا للقمع، اتجهت مجموعات تحت قيادة سمغو بن واسول المكناسي نحو تافيلالت حيث أسسوا سجلماسة.
ومع نهاية القرن الثامن أو بداية القرن التاسع، تعززت المدينة بالأسوار وجامع كبير وقصر وحمامات عامة. وظلت سجلماسة لنحو قرنين مركزا لإمارة خارجية مستقلة، شهدت خلالها نموا قويا استقطب التجار والحرفيين والفقهاء والمسافرين من كافة أنحاء المغرب والمغرب الكبير ومنطقة الساحل.
خلال العصر المرابطي (1058-1145م)، تحولت سجلماسة إلى دار كبرى لسك العملة، حيث كانت تضرب من ذهب «بلاد السودان» دنانير ذهبية عالية النقاء غمرت أسواق المغرب والأندلس والمتوسط. واستمرت المدينة في عهد الموحدين ثم المرينيين (من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر) كمركز اقتصادي وضريبي رئيسي، إلى جانب دورها في التجارة العابرة للصحراء.
«شهدت سجلماسة منذ نهاية القرن الرابع عشر تراجعا سريعا ودخلت في مرحلة ركود تدريجي إلى أن هجرها سكانها شيئا فشيئا. وفي بداية القرن السادس عشر، وصف ليون الإفريقي المدينة بأنها مدمرة، لا تضم سوى بعض الأطلال وتحيط بها قرى محصنة»
— برنارد لوغان
تمتعت سجلماسة بامتيازات زراعية هامة، وكانت «بوابة الصحراء» هذه توفر كافة الإمدادات الضرورية للقوافل القادمة من الشمال، والتي كان عليها التزود من هناك لمواجهة رحلة تستغرق شهرين عبر مسافة تتراوح بين 1500 و1800 كيلومتر من القفار.
لقد اغتنى المغرب قاطبة بفضل سجلماسة، فإلى جانب الذهب، كانت التجارة العابرة للصحراء تنتعش بمنتجات أخرى مثل العنبر الرمادي، والصمغ العربي، وجلود المها المخصصة لصناعة الدروع، وجلود النمور، والفنك، فضلا عن تجارة الرقيق.
في المقابل، كان المغرب يمد عالم الساحل بالسلع الفاخرة من إنتاجه الحرفي كالحلي والأسلحة والمنسوجات، وأيضا بمواد الاستعمال اليومي كأواني المطبخ والخزف والأقمشة العادية والسكاكين والمرايا وغيرها. كما شكلت المنتجات الزراعية مثل القمح والفواكه الجافة والتمور جزءا كبيرا من هذه التجارة، دون إغفال الخيول.
ابتداء من القرن الخامس عشر، وبشكل أكبر بعد القرن السادس عشر، أدى وصول البرتغاليين إلى السواحل الغربية لإفريقيا إلى إعادة توجيه تجارة الساحل تدريجيا نحو المحيط. وكان ذلك بمثابة انتصار لـ«الكارافيل» (السفينة) البرتغالية على القافلة الصحراوية، وهي التحولات التي أضرت باقتصاد المغرب. فقد أدى تنافس الطرق البحرية التي فتحها البرتغاليون على المحيط الأطلسي إلى تحويل مسار تجارة الذهب والرقيق، مما تسبب في أزمة للصناعة التقليدية المغربية التي واجهت منافسة المنتجات الأوروبية.
وفي الوقت ذاته، حدث تغير مناخي تمثل في موجات جفاف شديدة أدت إلى تراجع تدفق الوديان ونضوب المياه الجوفية، مما نتج عنه توالي الأزمات الزراعية والمجاعات وتحركات السكان. لهذا السبب، شهدت سجلماسة منذ نهاية القرن الرابع عشر تراجعا سريعا ودخلت في مرحلة ركود تدريجي إلى أن هجرها سكانها شيئا فشيئا. وفي بداية القرن السادس عشر، وصف ليون الإفريقي المدينة بأنها مدمرة، لا تضم سوى بعض الأطلال وتحيط بها قرى محصنة.
ومنذ ذلك الحين، تحول قلب التجارة المغربية عبر الصحراء نحو مناطق الساورة وتيميمون وتمنطيت وعين صالح وتبلبالة؛ أي نحو ذلك المغرب الصحراوي الشرقي الذي ألحق بالجزائر إبان الفترة الاستعمارية.

