الجزائر: تبون يختطف الخبير جلول سلامة بعد تشكيكه في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم الحديد «غار جبيلات»

L'économiste Djelloul Slama lors de son passage sur El Hayat TV. Il est porté disparu depuis. Capture d'écran.

"الخبير الاقتصادي جلول سلامة خلال مداخلته في قناة "الحياة تي في

في 28/01/2026 على الساعة 08:00

بأمر مباشر من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، واجه الخبير الاقتصادي جلول سلامة مصير «الاختفاء القسري» منذ أيام، وذلك بعد تشكيكه في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم الحديد «غار جبيلات». ويمثل اعتقال سلامة تجاوزا جديدا من قبل السلطة، حيث بات التحليل المبني على الحقائق يُصنف كجرم، وتتعرض الخبرة الاقتصادية –حتى وإن اتسمت بالمهنية– للقمع المباشر، في ظل ما يوصف بالتحول السلطوي الذي لا يعترف بالقيود.

في الجزائر، لا يتوقف الخط الأحمر عن التراجع، لدرجة أنه انتهى بابتلاع ما كان يندرج، حتى وقت قريب، ضمن النقاش التقني والتحليل الاقتصادي. وقضية جلول سلامة هي التجسيد الأكثر ترويعا لذلك. فالنظام لم يعد يكتفي بقمع المعارضين السياسيين أو الصحفيين أو الناشطين، بل بات يهاجم بشكل مباشر الخبراء والكفاءات والفكر العقلاني، حتى وإن كان مواليا، بمجرد أن يزعج الرواية الرسمية. ما حدث في الأيام الأخيرة في الجزائر ليس مجرد انزلاق أمني، بل فضيحة كبرى تكشف عن مناخ من الخوف واستبداد يتبناه رئيس بات أكثر من أي وقت مضى خارج السيطرة.

جلول سلامة، المهندس والدكتور في الاقتصاد والخبير في الإدارة والهندسة المالية، مفقود منذ خمسة أيام. ولعدة أيام، سعى أهله وأقاربه بيأس لمعرفة مكانه، مكثفين الاتصالات والمساعي والتساؤلات، دون الحصول على أي رد رسمي. لا مذكرة توقيف، ولا إخطار، ولا احترام لأي حقوق أساسية. رجل تلاشى، مثل كثيرين غيره، في بلد أصبح فيه التعسف وسيلة للحكم.

ووفقا لآخر الأخبار، فإنه يتواجد حاليا رهن التوقيف لدى فرقة الأبحاث بباب الجديد في الجزائر العاصمة، وهي وحدة تحقيق تابعة للدرك الوطني. كل ذلك بأمر مباشر ومتابعة شخصية من عبد المجيد تبون.

جلول سلامة ليس معارضا سياسيا، ولا ناشطا، ولا صحفيا ملتزما. لم يدعُ يوما للاحتجاج، ولم يشكك في النظام، ولم يتحدث قط عن الحراك أو حقوق الإنسان أو فساد السلطة. مجال تدخله اقتصادي بحت. ومنذ سنوات، يعد صوتا معروفا، يتدخل بانتظام في القنوات التلفزيونية الجزائرية، العامة والخاصة على حد سواء. بروفايل تقني، محترم ومندمج في منظومة السلطة.

خطؤه، إن وجد خطأ، يكمن في مداخلة عبر قناة «الحياة تي في»، بُثت قبل نحو عشرة أيام من اختفائه. في ذلك اليوم، لم يقم جلول سلامة إلا بممارسة مهنته: تحليل مشروع اقتصادي، وهو منجم الحديد غار جبيلات، الذي قدمه الرئيس عبد المجيد تبون كأحد ركائز السيادة الاقتصادية وتنويع موارد الدولة. هذا في وقت يعرف فيه الكثيرون أنه ليس أكثر ولا أقل من أكبر فضيحة اقتصادية في تاريخ الجزائر بأكمله. ومع ذلك، لم ينخرط الخبير في هجوم سياسي أو تنديد إيديولوجي. بل تحدث بالأرقام، والبنية التحتية، والتكاليف، والخدمات اللوجستية، والربحية. وذكر بأن الطبيعة الكيميائية لخام الحديد في غار جبيلات أقل جودة من مناجم أخرى مستغلة في الجزائر، لا سيما منجم الونزة. وسلط الضوء على صعوبات النقل، وغياب البنية التحتية المناسبة، والتكلفة الفلكية للاستثمارات اللازمة للمشروع.

خلص تحليله البارد والمنهجي إلى استنتاج حذر ولكنه ثقيل المعنى: في ظل الوضع الراهن، لا يمكن للمشروع أن يصبح مربحا إلا على المدى الطويل جدا، في أفضل الأحوال بحلول عام 2050. وهو جدول زمني لا يتماشى مع الاحتياجات الملحة للاقتصاد الجزائري والقيود المفروضة على ميزانية البلاد.

لم يقل جلول سلامة أبدا إنه يجب التخلي عن غار جبيلات، بل أصر على خطأ استراتيجي كبير: الرغبة في تصدير خام الحديد في حالته الخام. فوفقا له، هذا الخيار يحكم على المشروع بضعف الربحية وزيادة التبعية لتقلبات الأسواق العالمية.

ودعا إلى مزيد من الاستثمارات في التحويل المحلي، وصناعة الصلب، وخلق قيمة مضافة على الأراضي الجزائرية، وهو السبيل الوحيد لكسب الوقت والمال والسيادة الصناعية.

لكن في الجزائر، حتى الفوارق البسيطة في الرأي أصبحت مشبوهة. هذه المداخلة، رغم اتزانها، تم تداولها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل العديد من المؤثرين المتابعين على نطاق واسع. لم يتطلب الأمر أكثر من ذلك ليعتبر التحليل التقني تهديدا سياسيا. فمشروع غار جبيلات ليس مجرد ورشة اقتصادية بسيطة؛ فرغم كونه مشروعا فاشلا، إلا أنه أصبح رمزا لعهد تبون، وعلامة على سلطته، وواجهة تهدف لإثبات قدرته على تحويل الاقتصاد الجزائري. والتشكيك فيه، ولو جزئيا، ولو عقلانيا، يعني كسر الرواية الرئاسية. لذا لا عجب أن نرى تبون ينتفض من كرسيه ليخرس شخصيا هذا الناقد غير المرغوب فيه.

خلف الحماس الرسمي، تثير الأرقام الدوار. فبناء خط السكة الحديدية وحده، والممتد لمسافة تقارب 950 كيلومترا لربط غار جبيلات بوهران من أجل تصدير المعدن، تقدر تكلفته ما بين 3.5 و6 مليارات دولار. وهذا الرقم يخص النقل فقط. يضاف إلى ذلك تكاليف تنقية المعدن، والاستهلاك الهائل للغاز والمياه والكهرباء، والبنية التحتية الصناعية، وتكاليف التشغيل السنوية، والاستثمارات الأولية الضخمة. في المجمل، قد تصل الفاتورة إلى عدة عشرات من مليارات الدولارات، مقابل عائدات سنوية سقفها، في أفضل الحالات، نحو 1.5 مليار دولار. اختلال صارخ وعائد على الاستثمار وهمي بكل بساطة.

يُبشر غار جبيلات منذ الآن بأنه هروب إلى الأمام، لا تمليه رؤية اقتصادية متماسكة بل نزوة رئاسية تحت غطاء تنويع الموارد. وهم القرن الذي يخاطر بالتحطم على واقع الأسواق والقيود الصناعية، مع خسائر وضجيج كبير.

ما يكشفه بوضوح قضية جلول سلامة هو عنف رد فعل السلطة تجاه مجرد تحفظ مبرر. هو لم ينتقد الرئيس، ولم يندد بالفساد، ولم يدعُ للتعبئة. لقد سلط الضوء فقط على ثغرات اقتصادية. وكان ذلك كافيا لإطلاق آلة القمع. خبير اقتصادي، كان يُنظر إليه لفترة طويلة كوفي للنظام، يجد نفسه قيد التوقيف، مختفيا عن عيون أهله، ويُعامل كأنه مجرم.

تقدم هذه القضية دليلا إضافيا على أن الانحراف السلطوي لنظام تبون لم تعد له حدود. في الجزائر، لا يكتفون بتكميم أفواه المعارضة السياسية، بل باتوا يمنعون الخبرة، ويجرمون التحليل، ويعاقبون الكفاءة عندما لا تخدم الدعاية الرسمية بشكل أعمى.

هذا الاختطاف لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن تسلسل مقلق من التشدد السلطوي، حيث تشكل قضيتا « الوطن » وقناة « فرنسا 2 » المعالم الأخيرة له. إن الإنذار الموجه لصحيفة « الوطن » لمجرد نقلها الرفض الجزئي لقانون المرور الجديد من قبل مجلس الأمة، يوضح الانحراف الذي يتبناه نظام لا يتسامح مع الوصف الواقعي لنقاش مؤسساتي بمجرد أن يتعارض مع الرواية الرسمية. ومن خلال ترسانة قانونية مصممة على المقاس، أصبح مفهوم «المعلومات الكاذبة» قابلا للتوسع بلا نهاية، مما يحول فعل الإخبار إلى مخاطرة دائمة.

هذا المنطق لم يعد يتوقف عند الحدود، كما أظهرت محاولة التأثير التي مورست حول برنامج « Complément d’enquête » على قناة « فرنسا 2 »، حيث سعت السلطة الجزائرية وأذرعها -ونجحت جزئيا- في التأثير على محتوى عمل صحفي أجنبي يتناول ممارساتها الأمنية وعمليات الترهيب. من الصحافة الوطنية المطالبة بالالتزام التام بالرواية الرسمية، إلى وسائل الإعلام الدولية المستهدفة بمجرد تحقيقها في النظام، وصولا إلى مجرد آراء خبراء مطلعين أكثر من اللازم، يبرز خيط ناظم واحد: رعب شديد من المعلومة. قضية جلول سلامة ليست استثناء، بل هي خطوة إضافية في إرساء نظام مراقبة شامل، حيث تُجرم الخبرة، وتُكمم الصحافة، وتُرفع الدعاية كمعيار، ويُعتمد الرقابة كسياسة دولة.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 28/01/2026 على الساعة 08:00