عندما تفتقد الجزائر بوتفليقة: تشريح حنين ولد من ترّهات تبون

Le président algérien Abdelmadjid Tebboune et l'ancien chef de l'Etat Abdelaziz Bouteflika.

صورة مركبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة

في 29/01/2026 على الساعة 15:30

كان عبد العزيز بوتفليقة مكروها بالأمس، وأصبح اليوم، رغم أنفه، معيارا قاسيا للمقارنة مع السلطة الحالية. هناك موجة حقيقية من الحنين إلى الماضي، ناتجة عن خيبة أمل عميقة في مواجهة أوهام عبد المجيد تبون ووعوده التي لم يف بها. اقتصاد ضعيف، دبلوماسية معزولة، مجتمع منقسم: بادعاء قطع الصلة بالماضي، كشفت «الجزائر الجديدة» عن حجم إخفاقاتها. كان الوضع (حقا) أفضل من قبل.

قبل سنوات قليلة فقط، كانت مقارنة عبد العزيز بوتفليقة بشكل إيجابي بأي رئيس جزائري آخر تعد تقريبا من قبيل التجديف. فقد أصبح اسمه مرادفا للفساد الممنهج، والشلل المؤسساتي، وافتراس الأوليغارشية، والإذلال الوطني. لقد قام حراك 2019 ضد هذه الشخصية التي أصبحت طيفية، والمحفوظة اصطناعيا في السلطة بينما كانت الدولة تفرغ من كل مصداقية. ومع ذلك، بعد ست سنوات من سقوطه، تفرض ظاهرة سياسية مزعجة نفسها في النقاش العام الجزائري. حيث يتم استحضار حقبة بوتفليقة أكثر فأكثر بوصفها «الزمن الجميل»، ونقطة مقارنة مواتية في مواجهة النظام المنبثق عما يسمى «الجزائر الجديدة» والذي يجسده الرئيس الحالي عبد المجيد تبون. قراءة الأحداث هذه ليست عاطفية ولا حنينا بالمعنى الوجداني، بل هي قراءة باردة، واقعية، ومبنية على الأرقام. إنها وليدة فجوة صارخة بين أكاذيب تبون التأسيسية والنتائج الملموسة لممارسته السلطة.

عندما وصل تبون إلى رأس الدولة في نهاية عام 2019، استفاد من سياق سياسي استثنائي. فنظام بوتفليقة رُفض بشكل جماعي، والشارع طالب بقطيعة تامة، والسكان كانوا مستعدين لقبول التضحيات وتجرع الكثير من المرارة باسم تجديد يتسم ولو بحد أدنى من المصداقية. قدم الرئيس الجديد نفسه كنقيض مطلق لسلفه، ووعد بجزائر جديدة متحررة من الفساد، ومن « العصابة » الشهيرة، قائمة على العدالة الاجتماعية، والتنويع الاقتصادي، والسيادة الحقيقية، واستعادة الكرامة الوطنية. كانت الخطابات الرسمية مشبعة بكلمات مثل الشفافية، والقطيعة، والإصلاح، والتخليق، واستعادة القوة. وأُلقيت مسؤولية كل الشرور على النظام السابق، الذي قُدّم كفترة سوداء تم إغلاقها الآن.

لكن سرعان ما اصطدمت السردية بالواقع. فسنوات تبون لم تظهر أي إصلاحات هيكلية عميقة. وظل الاقتصاد يعتمد بشكل شبه حصري على المحروقات. وبقي مناخ الاستثمار عدائيا، غامضا، وغير مستقر. لم يتم إعادة تأسيس المؤسسات بل تم إغلاقها بشكل أكبر. وواصل الدينار الجزائري سقوطه العمودي أمام اليورو والدولار، لدرجة أن الجزائر انضمت إلى نادي الدول الفاشلة، حيث يقترب سعر الصرف في السوق الموازية من ضعف السعر الرسمي أو يتجاوزه. تم خنق النقاش العام، وقمع الحراك، وخنق الصحافة المستقلة. توقفت «الجزائر الجديدة» عن كونها مشروعا وأصبحت شعارا تعويذيا، يهدف إلى إخفاء الاستمرارية الاستبدادية وغياب الرؤية الاستراتيجية.

المقارنة الاقتصادية مع حقبة بوتفليقة هي، في هذا الصدد، دامغة بشكل خاص للنظام الحالي. ففي عهد بوتفليقة، وبالرغم من وجود فساد هائل لا جدال فيه، تحكي المؤشرات الاقتصادية الكلية قصة ثروة حقيقية متراكمة. بين عامي 2012 و2013، وصلت احتياطيات الصرف الجزائرية إلى ذروة تاريخية تراوحت بين 205 و217 مليار دولار. في ذلك الوقت، كانت الجزائر ضمن الدول العشرين التي تمتلك أكبر احتياطيات من العملات الأجنبية في العالم. وكانت هذه الاحتياطيات تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الوطني. وحتى بعد الصدمة النفطية في عام 2014، وبالرغم من إدارة مشكوك فيها، احتفظت البلاد في عام 2019 بنحو 63 مليار دولار من الاحتياطيات، بعد خمس سنوات متتالية من انخفاض أسعار النفط.

أما الناتج المحلي الإجمالي للجزائر في عهد بوتفليقة، ولا سيما بين عامي 2012 و2014، فقد تراوح بين 210 و214 مليار دولار، وفقا للمعايير المعترف بها من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذه الأرقام، التي غالبا ما يتم التقليل من شأنها لاحقا من قبل الخطاب الرسمي الحالي، لم يتم الطعن فيها بجدية أبدا من الناحية المنهجية. أما الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ورغم عرقلتها من قبل قاعدة 49/51 والبيروقراطية، فقد تراوحت بين 1.5 و2.7 مليار دولار سنويا في أفضل السنوات، ولم تسقط أبدا، حتى في أصعب الفترات، إلى مستويات تافهة.

تحت حكم تبون، يبدو التباين وحشيا. احتياطيات الصرف، التي تعد رأس حربة رئيس يحرم شعبه من أبسط المنتجات الغذائية باسم تقليص الاستيراد، ورغم تعافيها الطفيف بفضل طفرة أسعار الغاز في عام 2022، تظل بعيدة جدا عن مستويات عهد بوتفليقة.

كما لا يزال الناتج المحلي الإجمالي للجزائر أقل مما كان عليه في عام 2014، على الرغم من السياق الطاقوي العالمي المواتي بشكل استثنائي. والأسوأ من ذلك، تحاول السلطة تضخيم الأرقام اصطناعيا عبر تغييرات منهجية أحادية الجانب، لم تصادق عليها المؤسسات المالية الدولية، من أجل إظهار نمو صوري.

يغرق الخطاب الرسمي في إعلانات طنانة عن جزائر « القوة الضاربة » أو « الاقتصاد الناشئ »، أو حتى « ثالث قوة اقتصادية عالمية » على حد قول رئيس الجمهورية، دون أن تجد هذه التصريحات أدنى ترجمة ملموسة. لم يمنع هذا تبون من القيام بعملية سطو حقيقية على نحو 30 مليار دولار لمنجم حديد « غار جبيلات » وحده، وهو وهم مكلف بقدر ما هو محكوم عليه بفشل ذريع.

رقم آخر كاشف لهذا الفشل هو رقم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2022: حوالي 80 مليون دولار. هذا المستوى، المنخفض تاريخيا، لم يتم الوصول إليه أبدا حتى في أسوأ سنوات حكم بوتفليقة، بما في ذلك فترات عدم الاستقرار السياسي الشديد أو الهبوط الحاد في أسعار النفط. وهو يعكس فقدانا تاما لثقة المستثمرين الدوليين تجاه الإطار السياسي والقانوني والمؤسساتي الجزائري في عهد تبون.

وحيدا في العالم

على الصعيد الدبلوماسي، تبدو المقارنة غير مواتية تماما للنظام الحالي، خاصة فيما يتعلق بملف الصحراء الغربية. ففي عهد بوتفليقة، اعتمدت الجزائر خطا حازما ولكن متحكما فيه. وبإخفاء لعبتها وطبيعتها كفاعل رئيسي في النزاع، دافعت عن مبدأ تقرير المصير بالاستناد إلى القانون الدولي، دون الانزلاق إلى الهستيريا اللفظية أو المزايدة.

كما تم الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، رغم توترها. وظل المجال الجوي مفتوحا، وقنوات الاتصال موجودة، وظل النزاع محصورا في إطار متعدد الأطراف حيث احتفظت الجزائر بنوع من المصداقية. في هذا السياق، كان المغرب يبدو غالبا كطرف متصلب وغير مرن، بينما كانت الجزائر تقدم نفسها كفاعل عقلاني وثابت.

في عهد تبون، تلاشت هذه المقاربة تماما. القطيعة الدبلوماسية مع المغرب، إغلاق المجال الجوي، تضاعف الخطابات العدوانية والهوسية، والخلط المتكرر بشأن الصحراء. وفي هذه الأثناء، جرى تدريجيا إعادة تصنيف النزاع في التصورات الدولية لما هو عليه في الواقع: مواجهة مباشرة بين الجزائر والمغرب. أعادت المملكة تموضعها ببراعة كفاعل معتدل وبراغماتي، بينما تظهر الجزائر كنظام انفعالي، غير متوقع، ومنغلق في منطق المواجهة. ويشكل الدعم الدولي الواسع لخطة الحكم الذاتي المغربية التجسيد الأكثر سطوعا لهذا الفشل الاستراتيجي.

والأدهى من ذلك، أن القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، يمثل نقطة تحول سياسية تاريخية في نزاع الصحراء الغربية. فللمرة الأولى، يضع النص بوضوح مقترح الحكم الذاتي في مركز المفاوضات وكأساس لتسوية مستقبلية. إنها نهاية 50 عاما من المناورات الجزائرية التي جندت تمويلات ضخمة وكل جهازها الدبلوماسي وتسليحها لصالح الأطروحة الانفصالية.

التصدع

داخل البلاد، تكتمل الصورة القاتمة لنظام تبون من خلال إدارته للقضايا الهوياتية والإقليمية. ففي عهد بوتفليقة، وبالرغم من وجود توترات حقيقية وعنيفة أحيانا، لا سيما في منطقة القبائل، كانت السلطة تفضل الإدارة السياسية للأزمات.

كان النقاش العام موجودا، واحتفظت الصحافة بهوامش للنقد، وتم الاعتراف بالأمازيغية تدريجيا كمكون وطني، وامتُصت التوترات من خلال التسويات والتنازلات الرمزية وشكل من أشكال الحوار، وإن كان غير مكتمل.

أما اليوم، فإن أي تعبير هوياتي يصبح مشتبها فيه على الفور بالانفصال أو الخيانة. تم تجريم الكلمة، وحل القمع القضائي محل الوساطة السياسية، واختُزلت وسائل الإعلام في دور أبواق الدعاية. أنتجت هذه الاستراتيجية تأثيرا عكسيا لما كان معلنا؛ فقد زادت من حدة الانقسامات، وغذت الاستياء، وأدت إلى خسارة سياسية عميقة لمناطق بأكملها، ولا سيما منطقة القبائل.

وباسم الدفاع عن الوحدة الوطنية، تقوم السلطة في الواقع بإضعاف أسس التماسك الوطني نفسها. والنتيجة: في 14 ديسمبر 2025، أعلنت « حركة تقرير مصير منطقة القبائل » (MAK)، بقيادة فرحات مهني، من جانب واحد في باريس استقلال « جمهورية القبائل الاتحادية ». هذا العمل الرمزي، الذي اتسم بالتوترات والقيود الإدارية، يكرس القطيعة مع الجزائر العاصمة ويضفي طابعا دوليا على المطلب الاستقلالي للقبائل.

لقد ترك عبد العزيز بوتفليقة، على الرغم من نهاية حكم مهينة وأخطاء تاريخية جسيمة، بلدا مستقرا نسبيا، غنيا بالموارد المالية، متمتعا بدبلوماسية مسموعة، ومحميا من الانفجار الإقليمي. أما عبد المجيد تبون، الذي وصل إلى السلطة بوعد بقطيعة منقذة، فقد بدد هذا الرأسمال الاقتصادي، وعزل الجزائر على الساحة الدولية، وقسم المجتمع، وهو يحكم الآن عبر الإنكار والخوف. لم تتمخض « الجزائر الجديدة » عن تجديد، بل عن طاغية من أسوأ نوع وفراغ استراتيجي مقلق.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 29/01/2026 على الساعة 15:30