برنارد لوغان يكتب: أي مستقبل لليبيا بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي؟

Bernard Lugan.

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 10/02/2026 على الساعة 11:00

مقال رأيبعد تعيينه في 14 شتنبر 2015 من قبل المجلس الأعلى للقبائل الليبية ممثلا قانونيا له، وباعتباره الوحيد المخول بالتحدث باسم القوى الهيكلية في البلاد، ومرشحا للانتخابات الرئاسية، كان بإمكان سيف الإسلام إعادة بناء التوليفة القبلية التي سمحت لليبيا «الموحدة» بالاستمرار. فقد كان قادرا على ذلك لكونه يرتبط، عبر روابط الدم، بأكبر كنفدراليتين قبليتين في البلاد: «أولاد سليمان» في طرابلس من جهة والده، و«السعادي» في برقة من جهة والدته.

تكمن الخصوصية السياسية الكبرى لليبيا في كونها مجتمعا قائما على ديناميتين: دينامية السلطة ودينامية القبائل. والثابت السوسيو-سياسي هناك هو ضعف السلطة مقارنة بالقبائل. وتتوزع القبائل الليبية، التي يبلغ عددها العشرات إذا اقتصرنا على الرئيسية منها، والمئات إذا احتسبنا تفرعاتها، ضمن «صفوف» (تحالفات أو كنفدراليات) تمتاز بتحالفات تقليدية متغيرة داخل الأقاليم الثلاثة المكونة للبلاد: طرابلس، وبرقة، وفزان. وتقليديا، كانت القبائل الأقوى تعمل كقوى مهيمنة لسيطرتها على ممرات الرحل الفسيحة في محور المتوسط-فزان-تشاد، بينما كانت القبائل الأضعف تمارس نمطا إقليميا من شبه الترحال.

حافظ العقيد القذافي على النظام القبلي مع تأطيره عبر نظام إداري حديث يضم محافظات وبلديات. وأدى رحيله إلى تحطم تلك التوليفة القبلية الدقيقة وتسبب مباشرة في الفوضى، لأن الواقع السياسي الليبي يقوم على التوازن ولعبة القوى بين الكنفدراليات القبلية والإقليمية. وتوجد في ليبيا ثلاث كنفدراليات (صفوف) قبلية كبرى: كنفدرالية «السعادي» في برقة، وكنفدرالية «صف البحر» في شمال طرابلس، وكنفدرالية «أولاد سليمان» التي تشغل شرق وداخل إقليم طرابلس إضافة إلى فزان.

«لا يزال الوضع الأمني في ليبيا متدهورا بشكل كبير، حيث تقع المواجهات المسلحة بانتظام، في حين تعاني المناطق الحدودية مع النيجر وتشاد والسودان وتونس والجزائر من عدم الاستقرار»

—  برنارد لوغان

وقد أرسى العقيد القذافي سلطته على التوازن بين هذه الصفوف الثلاثة الكبرى. وبحكم انتمائه لقبيلة القذاذفة التي يتمركز ثقلها في مدينة سبها، تزوج معمر القذافي من قبيلة «فركاش»، وهي فرع عشائري من قبيلة «البراعصة» الملكية، وهو زواج أتاح له بناء تحالف بين القذاذفة وقبائل برقة الكبرى المرتبطة بالبراعصة. ورغم التنافس الداخلي القوي والحقيقي، بسط سلطته على كامل ليبيا لاستنادها إلى الكنفدراليات القبلية الثلاث في البلاد:

  • كنفدرالية برقة عبر «السعادي» التي تضم القبائل المتحالفة مع «البراعصة».
  • كنفدرالية الممر الممتد من سرت إلى فزان وتشاد، عبر كنفدراليته الخاصة «أولاد سليمان».
  • كنفدرالية شمال طرابلس عبر «حلف البحر»، وذلك بفضل حلفائه من «المقارحة» في سبها، الذين يقع مركزهم في مدينة ودان على بعد نحو 280 كيلومترا جنوب سرت.

اليوم، تعيش البلاد حالة انقسام، وتتنازع جهتان على السلطة:

  • حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس غربا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
  • سلطات بنغازي شرقا، ممثلة في المشير حفتر وأبنائه، الذين وسعوا حضورهم العسكري في جنوب البلاد وباتوا يسيطرون حاليا على جزء من فزان.

وبناء عليه، فإن سيف الإسلام، الذي عينه المجلس الأعلى للقبائل الليبية في 14 شتنبر 2015 ممثلا قانونيا له والوحيد المخول بالتحدث باسم القوى الهيكلية في البلاد، كان بإمكانه كمرشح رئاسي إعادة بناء التوليفة القبلية التي منحت ليبيا «الموحدة» حياتها. وبحكم روابط الدم التي تجمعه بكنفدراليتي «أولاد سليمان» و«السعادي»، كان يمكن من خلال شخصه استعادة النظام المؤسساتي الذي فككه رحيل العقيد القذافي؛ وهو نظام كان يقوم، كما أوضحت، على ترابط التحالفات بين الكنفدراليات القبلية.

وفي الوقت الراهن، لا يزال الوضع الأمني في ليبيا متدهورا بشكل كبير، حيث تقع المواجهات المسلحة بانتظام، في حين تعاني المناطق الحدودية مع النيجر وتشاد والسودان وتونس والجزائر من عدم الاستقرار. فكيف يمكن لليبيا إذن الخروج من حالة التجزئة الداخلية؟

بمعزل عن نشوب حرب جديدة للكل ضد الكل، يبرز اليوم خياران رئيسيان: إما إعادة بناء دولة قوية، أو مراعاة الحقائق الكنفدرالية.

1- إعادة بناء دولة قوية: تتطلب استعادة وحدة البلاد، أي تحقيق نصر عسكري ثم سياسي لأحد المعسكرين الكبيرين اللذين يتقاسمان ليبيا، وهما سلطة طرابلس وسلطة بنغازي. وتحظى سلطة طرابلس بدعم تركيا والجزائر، بينما تدعم روسيا ومصر سلطة بنغازي.

2- تكريس انقسام البلاد: وذلك إما عبر إنشاء دولتين، أو من خلال تشكيل ليبيا كنفدرالية.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 10/02/2026 على الساعة 11:00