غضب ساخر يجتاح الجزائر بعد فرض «شهادة المخدرات» شرطا للتوظيف

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 04/02/2026 على الساعة 12:30

أثار صدور مرسوم تنفيذي في العدد الأخير من الجريدة الرسمية الجزائرية، يشترط إرفاق ملفات التوظيف في القطاعين العام والخاص بتحاليل طبية «سلبية» تثبت خلو المترشح من استهلاك المخدرات، موجة صاخبة من الجدل في البلاد؛ إذ اعتبره مواطنون «إهانة جماعية»، بينما قرأ فيه مراقبون «حيلة سياسية» من الرئيس تبون للتملص من التزامات اقتصادية مضخمة.

وفي وقت تدعي فيه الحكومة أن الهدف من هذا القانون الجديد هو «حماية بيئة العمل وضمان أمنها»، يرى الشارع الجزائري أن النظام يضع «حواجز مخبرية» أمام الشباب المنهك أصلا من ندرة فرص الشغل، في خطوة تكرس الوصمة الاجتماعية بدلا من تقديم حلول علاجية وتنموية.

سخرية شعبية: أين الوظائف أصلا؟

على منصات التواصل الاجتماعي، قوبل القانون بمزيج من السخرية والاستياء، إذ كتبت مواطنة جزائرية تدعى رميساء عبر حسابها في منصة X تساؤلا ممزوجا بالتهكم تقول فيه: « من يسمع هذه الشروط سيعتقد أن عروض العمل متوفرة في الجزائر كما في سويسرا.. هاتوا الوظائف أولا ثم سنخضع لشروطكم».

ولم تخل التعليقات من قسوة تعكس واقعا اجتماعيا مأزوما، حيث وضع المواطن حسين أصبعه على الجرح الاقتصادي متوقعا أن معدل البطالة -في بلاد القوة الضاربة- سيقفز إلى %97 بمجرد تفعيل هذا الفلتر «المخبري»، بينما لخص وليد المشهد بمرارة قاسية في تعليق خطه في الصفحة الفيسبوكية لجريدة «الشروق»: «هذا معناه لا توظيف، لأن الشعب كله مخدر».

وأشار مواطن يلقب نفسه بقادر إلى إمكانية التحايل على هذا القرار، مثل توقف المدمن على المخدرات عن التعاطي خلال فترة ثم الحصول على شهادة سلبية.. وبعد التوظيف يعود إلى حالته ما دامت وظيفته ستبقيه بعيدا عن أية محاسبة...

وتطرقت فئة أخرى من المواطنين إلى معضلة الفساد التي ستفرغ القرار من محتواه الوقائي المزعوم. حيث أشار كل من نورة ودليل إلى أن «الرشوة المستفحلة» قد تحول هذه الشهادات إلى مجرد ورقة تباع وتشترى في مختبرات تفتقر -حسبهم- للضمير المهني. بينما ذهب سليم إلى أن المستفيد الوحيد من هذا القرار هم «أصحاب مختبرات التحاليل».

سهام النقد تصيب قمة الهرم

اللافت في ردود الأفعال هو تحول وجهة النقد من المرسوم بحد ذاته إلى صانعيه؛ إذ طالب معلقون بتعميم الفحص الطبي على «الوزراء والبرلمانيين» قبل الشباب، للتأكد من «صحتهم العقلية» والسلوكية.

وكتب سامي، في تعليق لقي تفاعلا واسعا على الصفحة الفيسبوكية لصحيفة «النهار»، حيث طالب بتطبيق هذا القانون أولا على «البرلمانيين والوزراء»، وهو الطرح الذي أيده هشام وعبد المالك، معتبرين أن المسؤولين الكبار يجب أن يكونوا قدوة في الخضوع لمثل هذه الفحوصات لضمان «الصحة العقلية» لصناع القرار، قبل أن يذهب آخرون للتساؤل عن «الصحة العقلية» للمسؤولين الذين صاغوا هذا المرسوم.

وبلغت الجرأة في النقد ذروتها بتعليق المواطن عبد المالك الذي رسم صورة كاريكاتورية بليغة في تعليق قال فيه: «لو يطبق الرئيس تبون وجماعته هذا القرار ستبقى البلاد بلا قيادة». وكأن لسان حال الجزائريين يقول إن «الدوخة» الحقيقية ليست في رؤوس الشباب، بل في القرارات التي تصدر عن «المرادية».

عدالة عرجاء

يرى طيف واسع من الجزائريين أن هذا القرار لن يغير من الواقع شيئا، بقدر ما سيفتح الباب أمام «عدالة عرجاء» تمنح أبناء النافذين امتياز التوظيف حتى وإن كانت نتائج تحاليلهم إيجابية، بينما يُحرم أبناء الشعب من أبسط حقوقهم.

وعبر المواطن بهاء الدين عن هذه الشكوك في تعليق على منصة فيسبوك قائلا: «هذا لن يغير أي شيء.. هناك مسؤولون لا يدخنون حتى السجائر، لكنهم يسرقون وينهبون أموال الشعب بلا ضمير».

من جانبه، حذر المواطن يونس من التبعات الخطيرة لهذه المقاربة، معتبرا أن محاربة الآفات لا تتم بانتزاع الحقوق الاجتماعية للمدمنين بل بمرافقتهم وعلاجهم.

وأضاف بمرارة: «عوض معالجة الآفات، يتم تعميق تفكك المجتمع وزيادة معدلات الفقر والبطالة، مما يفتح الباب أمام الجريمة والتهريب والقتل.. إنه نظام فاشل».

وتؤكد هذه الآراء قناعة الشارع بأن السلطة اختارت الطريق الأسهل قانونيا، والأخطر اجتماعيا، عبر تحويل المدمن من ضحية تحتاج إلى الرعاية إلى «منبوذ» يُمنع من حق العمل.

«تهريج سياسي» لتغطية نشاطات مشبوهة

من جهته، وصف المعارض الجزائري العربي زيتوت القرار بأنه «تهريج» وحبر على ورق. واعتبر زيتوت في مقطع فيديو حول الموضوع أن معالجة قضية المخدرات لا تتم عبر مقاربة «الرقابة والعقاب» بل عبر الردع والتوعية، متسائلا عمن له المصلحة في ترويج هذه السموم في البلاد.

وذهب زيتوت بعيدا باتهام قيادات عسكرية، وعلى رأسهم السعيد شنقريحة، بالضلوع في تسهيل إغراق البلاد بالسموم لجني أرباح طائلة، مما يجعل المرسوم الجديد مجرد «در للرماد في العيون».

خطة تبونية للتنصل من التزاماته

بعيدا عن السخرية والصخب الشعبي الذي أحدثه دخول هذا القانون إلى حيز التنفيذ، يرى مراقبون أن توقيت القرار يحمل أبعادا سياسية مرتبطة بالولاية الثانية للرئيس عبد المجيد تبون، الذي التزم بخلق 450 ألف منصب شغل جديد بحلول عام 2026. وتذهب هذه القراءات إلى أن شرط «التحاليل السلبية» يمثل «ذريعة استباقية» للتملص من الوعود الاقتصادية.

فمن خلال وضع هذا «الحاجز التعجيزي»، قد تجد الحكومة مخرجا قانونيا لتبرير العجز عن توفير الوظائف، وتحويل المسؤولية من «إخفاق حكومي» إلى «عدم أهلية» لدى الشباب. وبذلك، يتم تقليص أرقام البطالة الرسمية وكتلة الأجور عبر «فلترة» آلية تقصي آلاف الملفات دون إثارة احتجاجات مباشرة، مما يضع الشباب الجزائري بين مطرقة التهميش وسندان الشروط السلوكية القاسية.

ويبقى التحدي الأكبر قائما: هل سينجح هذا القانون في محاصرة الإدمان، أم أنه سيؤدي إلى «إقصاء اجتماعي» يوسع دائرة الفقر ويدفع بمزيد من الشباب نحو الارتماء في أحضان الآفات التي تدعي الدولة محاربتها؟

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 04/02/2026 على الساعة 12:30