الجزائر تسلم تونس معارضا سياسيا: «تنسيق أمني» يخرق القانون الدولي ويثير زلزالا حقوقيا

الرئيس التونسي قيس سعيد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون

في 21/01/2026 على الساعة 11:59

أقدمت السلطات الجزائرية على تسليم المعارض التونسي سيف الدين مخلوف إلى نظيرتها التونسية، وذلك رغم وضعه كطالب لجوء، في خطوة وُصفت بأنها «إعدام سياسي» لمبادئ القانون الدولي و«انتهاك صارخ لكل المعايير الدولية بخصوص اللاجئين السياسيين». هذا التسليم لم ينهِ فقط مسار ملاحقة قضائية دامت سنوات، بل كشف عن قواعد جديدة تحكم العلاقة بين الجارين، حيث يتقدّم «التنسيق الأمني» على الالتزامات الإنسانية.

أعاد تسليم السلطات الجزائرية للمحامي والنائب التونسي السابق سيف الدين مخلوف إلى نظيرتها التونسية، يوم 18 يناير 2026 عبر معبر «ببوش» الحدودي، الجدل حول حقوق اللاجئين في تونس والجزائر، وخاصة أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها تسليم أشخاص طلبوا لجوءا في كلا البلدين.

ولا تتعلق القضية فقط بواقعة تسليم فرد مطلوب للقضاء في بلده، بل تكشف عن تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين النظامين الجزائري والتونسي، وعن مناخ إقليمي جديد بات فيه التنسيق الأمني في مواجهة المعارضين يتقدم على مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

كواليس خدعة الترحيل

كشفت كواليس التسليم عن تفاصيل صادمة نقلها المحامي سمير ديلو، حيث تعرّض رئيس «ائتلاف الكرامة»، الذي احتجزته الجزائر منذ أكتوبر 2024 في مركز سيدي الهواري بوهران، لعملية تضليل ممنهجة. فبينما كان مخلوف يعتقد، وهو يغادر مركز احتجازه بوهران، أنه في طريقه للقاء عائلته في بلد ثالث، أو لاستكمال إجراءات إدارية لدفع «خطية» في عنابة، وجد نفسه وجها لوجه مع أعوان الأمن التونسي عند المعبر الحدودي.

هذه الرواية أكدتها شقيقته، المحامية نادية مخلوف، التي وصفت ما حدث بـ«الغدر والاستهتار»، مشيرة إلى أن شقيقها كان طالب لجوء معترفا به لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الجزائر، وكان ينتظر اللمسات الأخيرة للحصول على الحماية الدولية.

واعتبرت المحامية ما جرى لشقيقها يمثل انتهاكا خطيرا لكل القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، وخرقا صريحا لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للاضطهاد أو المحاكمة السياسية.

ملاحقات سياسية وقضاء عسكري

تعود فصول قضية سيف الدين مخلوف إلى ما بعد 25 يوليوز 2021، تاريخ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد «التدابير الاستثنائية». فمنذ شتنبر من السنة نفسها، أصبح مخلوف هدفا لملاحقات قضائية متتالية، شملت تهم المس من معنويات الجيش، وقضية «حادثة المطار»، ثم لاحقا تهم تتعلق بالتطاول على القضاء وهضم جانب موظف عمومي.

وقد خاض في أكتوبر 2021 إضرابا عن الطعام احتجاجا على ما وصفه بالمهازل القضائية العسكرية، ومنها محاكمته مرتين على نفس الأفعال. وبعد خروجه من السجن في أبريل 2023، اختار مغادرة تونس والتوجه إلى الجزائر، حيث تم إيقافه صيف 2024 بتهمة دخول البلاد بطريقة غير قانونية.

احتجزه نظام الجزائر في مركز سيدي الهواري بوهران، وصدرت في حقه أحكام غيابية ثقيلة في تونس، تصل إلى خمس سنوات في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وهي القضية التي شملت قيادات بارزة من المعارضة التونسية وصدرت فيها أحكام قاسية وصلت إلى 45 عاما سجنا.

وفي تلك الأثناء، تقدم المعارض التونسي بطلب لجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وبحسب بيانات صادرة عن حزب ائتلاف الكرامة وعدد من المنظمات الحقوقية، فإن ملفه قُبل مبدئيا من طرف المفوضية، ولم تكن تفصله عن الحماية الدولية سوى إجراءات إدارية بسيطة، ما يجعل تسليمه في هذه المرحلة خرقا مباشرا لروح ونص اتفاقية جنيف لعام 1951 التي تعد الجزائر طرفا فيها.

إدانة واسعة للنظام الجزائري

أثارت عملية تسليم المحامي سيف الدين مخلوف موجة عارمة من التنديد والاستنكار، تداخلت فيها الأبعاد الحقوقية بالسياسية، حيث وصفتها عائلته وهيئة دفاعه، بلسان شقيقته نادية مخلوف والمحامي سمير ديلو، بأنها «عملية غدر وخداع» وتجاوز لشرعية طلب اللجوء الأممي، بينما أجمعت منظمات حقوقية دولية ومحلية، مثل منظمة شعاع وإفدي الدولية وجمعية ضحايا التعذيب بجنيف، على أن الخطوة تُمثّل انتهاكا جسيما لمبدأ «عدم الإعادة القسرية» وخرقا لاتفاقية جنيف لعام 1951، مُحذرة من تعرّضه للتعذيب في ظل محاكمات وصفتها بـ«المسيّسة».

سياسيا، اعتبر الرئيس الأسبق منصف المرزوقي الواقعة «وصمة عار» في تاريخ السلطات الجزائرية وتنكرا لقيم إجارة المستجير، وهو ما ذهبت إليه جبهة الخلاص الوطني وحزب ائتلاف الكرامة باعتبار التسليم «تواطؤا مع منظومة القمع» وتنسيقا أمنيا عابرا للحدود لتصفية المعارضين.

وتابع المرزوقي: «تسليم مخلوف هو انتهاك صارخ لكل المعايير الدولية بخصوص اللاجئين السياسيين، خاصة أنه كان محميا وينتظر الوصول إلى جنيف بعد أن تكفلت المنظمة الأممية للاجئين بملفه».

نهاية «الجوار الآمن» للمعارضين

لم تأت هذه القضية من فراغ، بل سبق للمنطقة أن شهدت حالات مشابهة، مثل تسليم تونس للناشط الجزائري سليمان بوحفص سنة 2021 رغم تمتعه بصفة لاجئ، أو الجدل الذي رافق قضية المعارضة الجزائرية أميرة بوراوي سنة 2023. وهي سوابق دفعت منظمات حقوقية إلى التحذير من نشوء نمط جديد في التعامل مع طالبي اللجوء، يقوم على تبادل «المطلوبين السياسيين» بدل حماية الفارين من الاضطهاد.

ولخص المحامي والوزير التونسي السابق سليم بن حميدان هذا التحول بالقول إن قرار تسليم مخلوف يمثل قطيعة مع تقليد تاريخي كانت فيه الجزائر ملاذا آمنا للمعارضين التونسيين، من زمن بورقيبة إلى عهد بن علي، مشيرا إلى أن ما يجري اليوم يعكس تقاربا بين أنظمة تتقاسم الخوف نفسه من أي صوت حر أو تجربة ديمقراطية، مهما كانت معطوبة.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 21/01/2026 على الساعة 11:59