انتهت تظاهرة «كان 2025» المنظمة في المغرب بتتويج منتخب السنغال على «أسود الأطلس»، إلا أن هذا الحدث الرياضي تحول في غرف تحرير إعلام «الجارة» إلى ملحمة كونية، امتزجت فيها دموع الفرح بلقب السنغال (الذي احتفلوا به أكثر من أهل داكار أنفسهم) بصرخات «التشفي» في خسارة المنتخب المغربي.
معجزة «النهائي ضد المجهول»
في سابقة مهنية تستحق أن تدرس في كليات الإعلام تحت عنوان «كيف تخفي الفيل في الغرفة؟»، نجحت وكالة الأنباء الرسمية (واج) في وصف المباراة النهائية دون ذكر اسم طرفها الثاني!
الخبر يقول: «السنغال تفوز على نظيرها»! هكذا، دون اسم، دون هوية، ودون تاريخ. يبدو أن «النظير» كان شبحا لم يستطع إعلام «القوة الضاربة» رصده. تخيلوا حجم المجهود الذهني المبذول لتفادي كلمة «المغرب».
الأغرب من ذلك، أن الإعلام الجزائري تجاهل -كالعادة- اسم «المغرب» كمنظم، وتجاهله كطرف في مباراة النهائي، لدرجة أن المشاهد والقارئ الجزائري المسكين قد يخال أن مباراة نهائي الكان أقيمت في «جزيرة الوقواق» وليس على بعد كيلومترات من حدوده.
بيد أن «الغباء المهني» له سقطات؛ إذ اضطر كاتب الخبر لذكر أن لاعب المنتخب السنغالي بابي غايي سجل هدفا عجز الحارس «بونو» عن التصدي له. وهنا نسأل الزملاء في وكالة الأنباء: هل بونو يلعب لمنتخب «النظير» أم لمنتخب «المخزن» الذي يظهر في كوابيسكم؟ لقد اعترفتم ضمنيا بالخصم الذي ترتعد فرائصكم من ذكر اسمه!
«قصاصة حربية» في عرس كروي
لم تكن قصاصة وكالة الأنباء الجزائرية خبرا رياضيا، بل كانت «بيانا عسكريا» استُخدمت فيه ترسانة من المصطلحات التي لا تجدها إلا في أفلام الحروب الباردة: «مؤامرة »، «كواليس»، «فساد»، «انحياز فاضح».
ولم يكتفِ الإعلام الرسمي بالتجاهل، بل انتقل إلى «القصف المركز». فقد تحولت وكالة الأنباء إلى «غرفة عمليات حربية»، واصفة نسخة «الكان» المغربية بأنها «أسوأ دورة في التاريخ». وبينما كانت تقارير «الفيفا» و«الكاف» تتغزل في جودة العشب، وانسيابية التنظيم، والحضور الجماهيري الذي كسر الأرقام القياسية، كان الزملاء في الجزائر يكتبون عن «الفوضى التنظيمية» و«آلة المخزن» و«الكولسة» و«الرشاوى»... لكن الظاهر أن «المتتبعين» الذين استندت إليهم الوكالة (والذين لم تذكر اسما واحدا منهم) كانوا يشاهدون بطولة أخرى، ربما في «بلاي ستيشن» قديم!
العالم أجمع شاهد الملاعب العالمية، والتنظيم الاحترافي، والأمن، والروح الرياضية. لكن «نظارات» الإعلام الجزائري رأت فقط «الفوضى والفساد». والمضحك أنهم اعتبروا خسارة المغرب في النهائي «عدالة إلهية»، متناسين أن أي «متآمر» يسيطر على «الكاف» والتحكيم كما يدعون، لن يكون ساذجا لدرجة أن يترك الكأس ترحل إلى داكار في الدقيقة 94!
عدو عدوي صديقي
المفارقة السريالية تجلت في «الحب المفاجئ» للسنغال. لقد ابتهج الإعلام الجزائري بلقب «أسود التيرانغا» أكثر من سكان داكار أنفسهم. وتناسوا بسرعة البرق كيف كان الإعلام والذباب الإلكتروني الجزائري يشن قبل أيام هجوما شرسا على الحكم السنغالي «عيسى سي» ويصفونه بأبشع النعوت، ويتهمونه بإقصاء «الثعالب» أمام نيجيريا، بل وقدموا ضده شكوى رسمية!
لكن، في «المنطق التبوني»، الحكم السنغالي «فاسد» إذا ظلم الجزائر، والمنتخب السنغالي «بطل عظيم» إذا هزم المغرب. إنها البراغماتية في أبهى صورها السريالية، حيث تتحول المشاعر الرياضية إلى «ريموت كنترول» يدار من غرف الرئاسة.
سلوك مريض!
وصف الإعلامي الجزائري سليم الصالحي تصرف الإعلام الجزائري ضد المغرب بـ«السلوك المريض»، ساخرا من أوامر الرئاسة الجزائرية لإعلامها بتفادي ذكر اسم البلد المضيف لنهائيات كأس إفريقيا 2025.
وخاطب الصحفي المقيم في لندن من سماهم بـ«جماعة تبون» قائلا: «بهدلتم بينا وضحّكتو علينا الناس».
إن هذه الأساليب الإعلامية «الدنيئة» التي ينهجها النظام، وضعت المواطن الجزائري المغترب في مواجهة مباشرة مع «كوميديا سوداء» لا يملك حيالها إلا الشعور بالخزي؛ فبينما ينقل العالم صور الملاعب المغربية العالمية بالصوت والصورة، تصر «أبواق المرادية» على بيع «الوهم» وتصدير «الحقد» في قصاصات تثير الشفقة قبل السخرية.
وهكذا نجح النظام الجزائري، عبر إعلامه «الحربي»، في تحويل السياسة الإعلامية للدولة إلى مصدر «بهدلة» عابرة للحدود، حيث بات الجزائري في الخارج مضطرا للاعتذار عن «مراهقة» إعلامه الرسمي، محاولا إقناع الآخرين بأن «شيزوفرينيا» السلطة لا تمثل رقي الشعب الجزائري ولا وعيه الرياضي، وهو إحراج نفسي واجتماعي ثقيل سببه نظام يفضل العيش في «تسلل» دائم على أن يعترف بنجاح جاره.
عندما يسقط الإعلام في «التسلل»
لقد سقط الإعلام الجزائري في «تسلل» أخلاقي ومهني لن ينساه التاريخ. البطولة انتهت، والمغرب كسب احترام القارة بوصوله للنهائي وبتنظيمه الباهر، والسنغال توجت باللقب.
أما «وكالة الأنباء الجزائرية»، فقد توجت بلقب «الوكالة الأكثر تشفيا» في العالم، تاركة خلفها مادة دسمة للسخرية، ونقطة سوداء في أرشيف الصحافة.







