وفي قلب هذه الدينامية، تبرز جهة الشرق كمحطة استراتيجية أساسية ضمن هذا البرنامج، من خلال احتضانها لمشروعين وازنين، يتعلقان بمحطتي “نور عين بني مطهر”، بقدرة إنتاجية تصل إلى 121 ميغاواط، و”نور بوعنان” بقدرة 29 ميغاواط، ما يمنح الجهة موقعا متقدما ضمن الخريطة الوطنية للطاقات المتجددة.
ويعكس اختيار هذين الموقعين، حسب خبراء، توجها مدروسا نحو تثمين المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، خاصة من حيث مستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة، بالإضافة إلى استثمار البنيات التحتية الطاقية القائمة، كما هو الحال بعين بني مطهر، التي راكمت تجربة مهمة في إنتاج الطاقة، حيث يأتي إطلاق أشغال هذين المشروعين بعد استكمال مختلف المراحل التحضيرية، التي شملت الدراسات التقنية، وتأهيل العقارات، وتعبئة التمويلات، إلى جانب إرساء الأطر القانونية والمالية المؤطرة.
ويمتد برنامج «نور أطلس» على الصعيد الوطني بقدرة إجمالية تناهز 305 ميغاواط، موزعة على ستة مواقع عبر خمس جهات، من بينها إلى جانب جهة الشرق، مشاريع بكل من إنجيل (42 ميغاواط) بجهة فاس-مكناس، وبودنيب (33 ميغاواط) بجهة درعة-تافيلالت، وطاطا (40 ميغاواط) بجهة سوس-ماسة، وطانطان (40 ميغاواط) بجهة كلميم-واد نون، في إطار رؤية متكاملة لتعزيز الأمن الطاقي الوطني.
ويكتسي هذا البرنامج أهمية خاصة، لكونه يمثل تحولا نوعيا في نموذج اشتغال الوكالة المغربية للطاقة المستدامة “مازن”، التي ستتولى لأول مرة بشكل مباشر مختلف مراحل إنجاز المشروع، من التطوير والتمويل، إلى البناء والاستغلال والصيانة، وهو ما يعكس مستوى النضج الذي بلغه النموذج المغربي في تدبير مشاريع الطاقات المتجددة.
وعلى مستوى جهة الشرق، لا تقتصر انعكاسات هذا المشروع على الجانب الطاقي فحسب، بل تمتد لتشمل تحفيز الاقتصاد المحلي، عبر خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط النسيج المقاولاتي، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والهندسة، كما يرتقب أن يسهم في تعزيز جاذبية الجهة للاستثمارات، من خلال توفير بنية طاقية حديثة ومستدامة، قادرة على مواكبة التحولات الصناعية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
ويعتمد البرنامج على نموذج تمويلي هجين، بمساهمة مؤسسات مالية دولية، من قبيل البنك الألماني للتنمية (KfW)، والبنك الأوروبي للاستثمار، إلى جانب فاعلين وطنيين، وهو ما يعكس الثقة التي تحظى بها المشاريع الطاقية المغربية على الصعيد الدولي، كما ستنجز الأشغال من طرف شركات مغربية وأوروبية تم اختيارها وفق مساطر تنافسية، بما يضمن جودة التنفيذ ونقل الخبرات.
ويجسد “نور أطلس” رؤية المغرب الرامية إلى تحقيق سيادة طاقية تدريجية، من خلال تقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية، والرفع من مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني، في أفق تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
وبالنسبة لجهة الشرق، يشكل هذا المشروع أكثر من كونه استثمارا طاقيا، بل يمثل رافعة استراتيجية لإعادة تموقعها ضمن الديناميات الاقتصادية الوطنية، وتحويلها إلى قطب واعد في مجال الطاقات النظيفة، في انسجام تام مع التوجهات الكبرى للمملكة.
ومع انطلاق هذه الأوراش، تدخل الجهة مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار في المستقبل، حيث تتحول أشعة الشمس من مورد طبيعي إلى محرك فعلي للتنمية، ومصدر لأمل اقتصادي متجدد.
