فمن منابعه الجبلية الباردة التي تتجاوز 1600 متر عن سطح البحر، إلى مصبه بين رأس الماء ومدينة السعيدية، ينساب هذا النهر الكبير رابطا بين ثلاث سلاسل جبلية وثلاث بيئات مناخية، صانعا واحدا من أكثر الأحواض المائية فرادة في المغرب، ليكون بذلك أطول أنهار المملكة، وحوضه الممتد على نحو 30 ألف كيلومتر مربع ليس مجالا جغرافيا فقط، بل فضاء حياة يحتضن مدنا وقرى وأنشطة فلاحية واقتصادية تعتمد عليه في الشرب والسقي والطاقة.
من تلاقي الأطلس إلى مصب المتوسط
تبدأ رحلة ملوية من التقاء مرتفعات الأطلس الكبير والأطلس المتوسط، حيث تتجمع المسيلات القادمة من أغبالة وأكلمام مولاي يعقوب، قبل أن تنحدر شرقا عبر سهول كلكو، وتتقوى بمياه تيكاجوين وجبل أوجود شمال ميدلت، إذ من هذا التشابك المائي يولد اسم «ملوية»، وتبدأ الرحلة الكبرى، حيث يمر في مساره العلوي، عبر بومية وزايدة، ليصل إلى بحيرة سد الحسن الثاني بسعة تخزين تبلغ 392 مليون متر مكعب، إذ يتلقى دعما من رافد أنسكمير المنحدر من جبل العياشي، والذي يحتضن بدوره سد تامالوت.
وعند ملتقى الويدان بإقليم تاوريرت، يستقبل ملوية أكبر روافده، وادي زا، قبل أن تحتضنه منشأة مائية استراتيجية هي سد محمد الخامس، الذي تصل سعته الحالية إلى نحو 690 مليون متر مكعب، مع طموح لبلوغ مليار متر مكعب بعد التعلية، حيث لا يمثل هذا السد فقط بنية تحتية، بل ركيزة للأمن المائي والزراعي بالجهة الشرقية.
ومع اقترابه من الناظور، يعبر الوادي أطراف جبال بني يزناسن، ويشرف على سهل طريفة بإقليم بركان، قبل أن يفرغ مياهه في المتوسط، حاملا معه ذاكرة الثلوج والواحات والسهول شبه الجافة.
فرادة جغرافية ونبض إيكولوجي
ما يمنح ملوية قيمته البيئية لا يقتصر على طوله، بل على كونه النهر الوحيد تقريبا الذي يستمد مياهه من ثلاث سلاسل جبلية كبرى، وهي الأطلس الكبير، والأطلس المتوسط، ثم جبال الريف، حيث ينعكس هذا التنوع الجغرافي في تنوع بيولوجي غني، وفي أنظمة بيئية متداخلة، تجعل الحوض فضاء انتقاليا بين الجبال والسهول والساحل.
وبمتوسط صبيب سنوي يتراوح بين 40 و50 مترا مكعبا في الثانية، ظل الوادي لعقود شريانا خصبا لنشاط فلاحي مزدهر، خاصة في مقاطعه السفلى، غير أن هذه الدينامية عرفت تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة.
تحولات ما بعد السدود.. وصوت البيئة
ويؤكد نجيب بشيري، رئيس جمعية البيئة والإنسان، أن وادي ملوية «كان يشكل، قبل بناء سد مشرع حمادي في بداية الخمسينيات، (كان يشكل) خطرا على الساكنة بسبب قوة جريانه»، غير أن تشييد السدود، وعلى رأسها مشرع حمادي ثم سد محمد الخامس، غيّر طبيعة النظام البيئي، مشيرا، في تصريح لـLe360، إلى أن الصبيب كان في السابق وفيرا، ما دعم نشاطا فلاحيا كبيرا على ضفاف الوادي، «لكن مع التغيرات المناخية وانخفاض التساقطات، تم تقليص الصبيب الإيكولوجي بشكل شبه كامل، ولم تبق سوى بعض العيون في منطقة مولاي علي»، مبينا أن إحداث منشآت مائية إضافية في أولاد ستوت ومولاي علي ساهم في تقليص الجريان بين مشرع حمادي والمصب.
وانعكس هذا التراجع، بحسب الفاعل البيئي، سلبا على التنوع البيولوجي وعلى الساكنة المحلية، التي فقدت جزء من قدرتها على استغلال الأراضي بسبب زحف الملوحة القادمة من البحر، ما دفع العديد من الشباب إلى الهجرة وترك النشاط الفلاحي.
المناطق الرطبة.. صمام الأمان المفقود
وفي قلب هذا النقاش، تبرز أهمية المناطق الرطبة المرتبطة بالوادي، حيث يوضح بشيري أن هذه الفضاءات الطبيعية تشكل حاجزا طبيعيا أمام ارتفاع مياه البحر، وتمثل خزانا بيئيا يخفف آثار الفيضانات والجفاف معا، معتبرا أن المغرب، فقد آلاف الهكتارات من هذه المناطق بسبب تحويلها إلى أراض فلاحية أو عمرانية، ما جعل بعض المدن تعيش كوارث متكررة مع كل تساقط غزير.
بين الأمن المائي والتوازن البيئي
إن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في المفاضلة بين السدود والفلاحة، أو بين التنمية والحفاظ على الطبيعة، بل في إيجاد توازن عقلاني، بين الأمن المائي والحفاظ على الصبيب الإيكولوجي، فملوية، كما يختصر بشيري، ليس أرقاما فقط عن سعة تخزين أو معدلات جريان، بل منظومة حياة متكاملة، تساهم في الحفاظ على الفلاحة، وحماية التنوع البيولوجي، وضمان استقرار الساكنة، وكلها رهانات مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
شريان حياة ورهان مستقبل
ويبقى وادي ملوية، بطوله الممتد من الأطلس إلى المتوسط، شاهدا على قدرة الطبيعة على جمع المتناقضات، من الثلج في القمم، والجفاف في الهضاب، إلى الخصب في السهول، لكنه في الآن نفسه مرآة للتحولات المناخية والضغوط البشرية، ليبقى وادي ملوية شريان حياة للشرق المغربي، وأي اختلال في توازنه الإيكولوجي ستكون له كلفة بيئية واجتماعية واقتصادية.



