وفي قلب هذه الربوع الجبلية الغابوية، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليكتشف أن شيئا ما تغير، فالغطاء النباتي الذي أنهكته سنوات الجفاف عاد أكثر كثافة واخضرارا، والعيون المائية التي جفت لعقود قصيرة استعادت جريانها، بينما تنبعث من التربة رائحة الحياة.
وفي هذا السياق، فإن هذا التحول لم يمر مرور الكرام على الساكنة المحلية، التي ترى فيه، كما يؤكد الفاعل الجمعوي الحسين الكتابي، «دينامية جديدة أعادت للمنطقة جمالها، وجعلت من الأمطار محركا اقتصاديا إضافيا»، معتبرا في تصريح لـle360، أن هذا الانتعاش الطبيعي انعكس بشكل مباشر على النشاط السياحي، حيث بدأت تافوغالت تستعيد موقعها كوجهة مفضلة لعشاق السياحة الجبلية والإيكولوجية.
فبين مسالك المشي وسط الغابات، والرحلات نحو «رسلان» و«سيدي بوهرية»، يجد الزائر نفسه حسب الكتابي، أمام عرض طبيعي متكامل، يزاوج بين المناظر الخلابة، والموروث الثقافي والغذائي الغني، من الشعير إلى “المرمز”، في تجسيد حي لذاكرة المنطقة وعاداتها.
لكن ما يميز تافوغالت اليوم لا يقتصر فقط على سحر الطبيعة، بل يمتد إلى بنية فندقية وسياحية أخذت في التطور لمواكبة هذا الإقبال المتزايد. حيث تقدم وحدات فندقية وسط الجبال تجربة متكاملة، تجمع بين الإقامة الهادئة والأنشطة الترفيهية المتنوعة.
وتؤكد «الشيف» ابتسام، رئيسة مطبخ بإحدى هذه الوحدات، أن المنطقة «تستقطب زوارا من مختلف أنحاء العالم، بفضل ما توفره من راحة وأنشطة متعددة، من ركوب الخيل إلى المشي في الطبيعة، مرورا بجولات السوق المحلي»، مضيفة في تصريح مماثل للموقع، أنه داخل هذه الفضاءات السياحية، لا يكتفي الزائر بالمشاهدة، بل ينخرط في تجربة معيشة كاملة.
وبينت المتحدثة نفسها، أن وحدتها الفندقية تقدم لزبنائها دورات في الطبخ المغربي، وجولات لاكتشاف التوابل والأعشاب المحلية، وأنشطة رياضية وترفيهية، مثل الرماية وقيادة الدراجات الرباعية، معتبرة إياها عناصر تجعل من الإقامة بتافوغالت تجربة مختلفة، تتجاوز النمط التقليدي للسياحة.
وفي المطبخ، حيث تلتقي الطبيعة بالذوق، تقدم المنطقة نفسها من خلال أطباقها، على غرار كسكس يُحضّر بالمرمز المحلي ويُطهى على الفحم، وطواجن بنكهات الأعشاب الجبلية، وأطباق تقليدية تُعاد صياغتها بلمسة عصرية، وكلها تعكس حسب «الشيف» ابتسام هوية غذائية متجذرة في البيئة المحلية، مبينة أن «الطاقة الإيجابية التي تمنحها الطبيعة تنعكس مباشرة على جودة الأطباق ونكهتها».
هذا التلاقي بين الطبيعة المنتعشة والبنية السياحية المتطورة جعل من تافوغالت وجهة تعيش على إيقاع انتعاش حقيقي، حيث لم تعد الأمطار حدثا مناخيا عابرا فقط، بل تحولت إلى رافعة اقتصادية وسياحية، تعيد رسم ملامح المنطقة، وتفتح أمامها آفاقا جديدة.
وهكذا تبدو تافوغالت وكأنها تولد من جديد، مستفيدة من كرم السماء ومن جهود أبنائها، لتؤكد أن السياحة الجبلية قادرة، متى توفرت لها الظروف، على أن تكون رهانا تنمويا حقيقيا، يجمع بين الحفاظ على الطبيعة، وتثمين التراث، وخلق دينامية اقتصادية مستدامة.
