الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إفريقيا: لماذا تمثل 5 دول فقط 50 % من المشاريع الناجحة؟

يشير البنك الدولي إلى أن 42 من أصل 54 دولة إفريقية لديها تشريعات محددة بشأن الشراكات بين القطاعين العام والخاص

في 02/04/2025 على الساعة 08:00

في الوقت الذي تعاني أغلب البلدان الأفريقية من أجل جذب الاستثمارات في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تبرز مجموعة قليلة من الدول كرواد بلا منازع في هذا المجال. لماذا تحتكر هذه البلدان الأفريقية تقريبا الشراكات الناجحة بين القطاعين العام والخاص عكس الغالبية العظمى من بلدان القارة؟ لمحة على الديناميات التي تجمع بين الإطار القانوني والمؤسسات ذات المصداقية والاستراتيجيات الاقتصادية.


في الوقت الذي تسعى فيه إفريقيا إلى سد العجز في البنيوي لديها والذي يقدر بأكثر من 100 مليار دولار سنويا، تبرز الشراكة بين القطاعين العام والخاص كرافعة أساسية. ومع ذلك، فإن القارة تقدم مشهدا متناقضا، حيث تحقق عدد قليل من الدول النجاح في هذا المجال، في حين تكابد بلدان أخرى لتحقيق طموحاتها. وتُعد مصر والمغرب والجزائر مثالاً واضحاً على هذه الثنائية.

وفي الوقت الذي تعتمد فيه مصر على برنامج تسييل الأصول لتحرير الأصول العامة دون زيادة ديونها، يجمع المغرب بين الشراكات واسعة النطاق بين القطاعين العام والخاص (القطارات فائقة السرعة والمطارات) والإصلاحات الشاملة المتوافقة مع أهداف الاستدامة.

ومن الأمثلة الأخيرة: تعمل مصر، بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، على تسريع تحديث أحد عشر مطارا من خلال مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مستفيدة من الإطار التشريعي الناضج والخبرة الدولية لجذب المستثمرين الدوليين.

ومن جانبه، يتبنى المغرب استراتيجية شاملة تجمع بين الحوافز الضريبية، وقوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص (منذ عام 2014)، والإصلاحات البنيوية (ميثاق الاستثمار الجديد)، والحل الاستباقي للعراقيل القطاعية، مثل الاتفاقية التاريخية بين اتصالات المغرب وإنوي في قطاع الاتصالات.

وبالمقابل، لا تزال الجزائر، على الرغم من مبادرتها بإصدار تشريعات جديدة بشأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تعاني من تحديات بنيوية: التأرجح بين الخوصصة والشراكات، وانعدام الثقة في المستثمرين الأجانب، والاعتماد الدائم على الدولة المركزية.

ويثير هذا المشهد المتناقض السؤال التالي: لماذا تظل الديناميات استثناءً؟ في الواقع تؤكد التطورات الأخيرة حقيقة لا تقبل الجدل: ففي ظل عولمة البنيات التحتية، لن تتمكن إفريقيا من اللحاق بالركب إلا من خلال تحويل أطرها القانونية إلى مشاريع قابلة للتمويل، بدعم من مؤسسات ذات مصداقية ورؤية سياسية واضحة. أما الباقي فهو مجرد مسألة إرادة...وتقليد ذكي.

ويأتي هذا الموضوع في الوقت المناسب لتسليط الضوء على مقال للبنك الدولي يبرز نتائج دراسة خاصة بالتسهيلات الإفريقية للدعم القانوني. وفي الوقت الذي ترسخت فيه قواعد الصفقات العمومية على المستوى العالمي، فإن البنك الدولي يلاحظ أن 42 من أصل 54 دولة إفريقية لديها الآن تشريعات خاصة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص. ولكن عند التدقيق، يتبين أن خمس دول فقط ــوهي مصر وغانا والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقياــ تتركز فيها أكثر من نصف المشاريع المنجزة. إنها حقيقة محزنة وهيمنة تثير عدة تساؤلات: لماذا تهيمن هذه البلدان على مشهد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إفريقيا؟

بالنسبة للتسهيلات الإفريقية للدعم القانوني، « لا يكفي اعتماد قانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص. بل يجب تكوين المفاوضين، وتبسيط إجراءات طلبات العروض، وإنشاء شبابيك موحدة للمستثمرين ». هذه الكلمات هي التي تُلخص دراسة التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني، التي تُشير إلى اهتمام غير مسبوق بين الدول الإفريقية بجذب الاستثمارات الخاصة في البنيات التحتية والخدمات لتلبية الطلب الوطني المتزايد.

مصر وغانا والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقيا: ركائز النجاح

وبحسب البنك الدولي، فإن الأطر القانونية الهجينة والبراغماتية، والمؤسسات المتخصصة والخبرة التقنية، والأسواق الواعدة وتنويع القطاعات، فضلاً عن الاستقرار الاقتصادي الكلي وإصلاح العقود، تشكل روافع رئيسية للدول الخمس الرائدة.

وفي الوقت الذي اعتمدت فيه 24 دولة إفريقية قوانين تتعلق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، فإن نجاح الدول الرائدة لا يقتصر على الجانب القانوني. فعلى سبيل المثال، تعمل جنوب إفريقيا دون تشريع خاص، ولكنها تعتمد على نظام مؤسساتي قوي وسياسات قطاعية واضحة.

وهكذا، نرى أن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يعتمد فقط على وجود القانون، بل على قدرة المؤسسات على هيكلة المشاريع القابلة للتمويل وإيجاد مناخ من الثقة مع المستثمرين. ويستكمل المغرب ومصر، اللذين بمتلكان قوانين خاصة، إطارهما بمراسيم تطبيقية مفصلة، مما يقلل من الغموض التعاقدي.

وعلى صعيد المؤسسات المتخصصة، تمتلك الدول الخمس وحدات دائمة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، مدمجة في وزارات المالية أو مستقلة. وفي غانا، تتولى مديرية الاستثمار العمومي مسؤولية تقييم المشاريع، من خلال الجمع بين الصرامة المالية وتحليل المخاطر. فيما عززت نيجيريا لجنة تنظيم امتيازات البنيات التحتية لديها، لضمان المراقبة بعد انتهاء العقد.

وتتحكم هذه البنيات، التي تتلقى الاستشارات في كثير من الأحيان من المؤسسات المالية الدولية، في آليات التمويل الهجينة (القروض، والضمانات، والصناديق السيادية).

أما على صعيد التنوع القطاعي، تركز مصر والمغرب على الطاقة (الشمسية والريحية) والنقل، وهو ما يجذب المستثمرين الأوروبيين والخليجيين. أما نيجيريا، التي تواجه عجزا كبيرا في البنيات التحتية (60 % من الطرق غير معبدة)، فتعطي الأولوية للطرق السريعة والاتصالات.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها في مجال الطاقة، تتفوق جنوب إفريقيا في المستشفيات والمدارس من خلال نماذج الدفع التدريجي. وتعمل هذه البلدان على تحويل الاحتياجات العاجلة إلى فرص مربحة، مع عوائد متطابقة مع المخاطر.

أما فيما يتعلق بالاستقرار الاقتصادي الكلي، فإن مصداقية الحكومات تشكل عاملا رئيسيا. وقررت غانا إدخال بنود القوة القاهرة لتشمل الأزمات السياسية، وهو ما طمأن المستثمرين بعد حالات التخلف التاريخية عن سداد الديون.

ورغم التوترات الاجتماعية، تحافظ جنوب إفريقيا على تصنيف مالي مقبول بفضل الشراكات الشفافة مع مشغلين مثل ترانسنت (Transnet). وهناك العديد من المقاربات الكلية التي تفسر سبب استحواذ هذه الدول الخمس على الجزء الأكبر من الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وماذا عن الآخرين...؟

بالنسبة للدول الإفريقية الـ49 الأخرى، حدد البنك الدولي أربع عقبات رئيسية تعوق نمو الشراكات بين القطاعين العام والخاص: الأطر القانونية غير الملائمة، والثغرات المؤسسياتية، والمخاطر السياسية والاقتصادية الكلية المرتفعة، وحجم السوق الذي ينظر إليه على أنه غير مربح.

وتخلق هذه التحديات، المترابطة في كثير من الأحيان، حلقة مفرغة حيث يؤدي غياب المشاريع إلى تثبيط المستثمرين، في حين يحد الافتقار إلى التمويل الخاص من تحديث البنيات التحتية. وإذا نجحت بعض البلدان، مثل رواندا وساحل العاج، في التغلب على هذه الحواجز من خلال اتباع مقاربة مبتكرة، فإن الأغلبية تظل أسيرة أنظمة لا تقدم سوى القليل من الحوافز.

وإذا كانت بلدان غرب ووسط إفريقيا لديها نسبة عالية من قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص (14 من أصل 16 دولة)، فإن عدد قليل من المشاريع تصل إلى نهايتها.

ويرجع السبب إلى أن النصوص عامة للغاية وغير ملائمة للواقع المحلي، كما تشير التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني. وفي السينغال، وعلى الرغم من قانون عام 2014، لم يتم إنجاز سوى ثلاث شراكات كبرى بين القطاعين العام والخاص (بما في ذلك في مجال الطاقة) بسبب الافتقار إلى آليات الضمان.

وهناك عقبة أخرى: فالدول التي لا توجد بها وحدات مخصصة (13 من أصل 54) تعاني من نقص الخبرة. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تزال مشاريع التعدين متوقفة بسبب مفاوضات غير شفافة. وحتى البلدان التي بها وحدات شراكة بين القطاعين العام والخاص، مثل الطوغو، تواجه صعوبة في جذب الرأسمال الخاص بسبب ما تعتبره ضعفا في الحكامة.

ويتجنب المستثمرون الاقتصادات الهشة (جنوب السودان وليبيا) أو الدول الصغيرة (جزر القمر وسيشل)، حيث تتجاوز تكاليف المعاملات العائدات. أما الجزائر، فعلى الرغم من ارتفاع ناتجها الداخلي الخام، تعاني من إطار تقييدي يمنع الشراكات الأجنبية.

استثناءات واعدة

ووفقا لمقال البنك الدولي، فإن بعض البلدان تبرز بفضل مجالات متخصصة. فقد قامت رواندا، التي لا تمتلك قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بإنجاز مشروع مطار بوغيسيرا من خلال عقد بناء وتشغيل ونقل تم إبرامه مع البنك الأفريقي للتنمية. وتعمل ساحل العاج، بموجب قانونها الصادر عام 2012، على تطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال مياه الشرب، بدعم أروبي.

والعلاقة بين هذه العقبات والواقع المحلي مذهلة. فعلى سبيل المثال، ينعكس عدم ملاءمة الأطر القانونية في السينغال من خلال قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي هي صارمة للغاية بحيث لاتشمل الضمانات ضد تقلبات العملة، والتي هي مع ذلك حاسمة في سياق الفرنك الأفريقي المرتبط بالأورو.

كما تفسر أوجه القصور المؤسسياتية فشل جمهورية الكونغو الديمقراطية، على الرغم من إمكاناتها المعدنية الهائلة، في هيكلة شراكات القطاعين العام والخاص في مجال التعدين بشكل شفاف، مما يسمح بضياع مليارات الدولارات من المداخيل.

وأخيرا، فإن المخاطر السياسية، كما هو الحال في ليبيا أو جنوب السودان، تثني المؤسسات المالية الدولية عن التدخل، على الرغم من الاحتياجات الملحة.

الدور الحاسم للمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين من القطاع الخاص

وأشار البنك الدولي أيضا إلى أن الدول الخمسة الرائدة في الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إفريقيا تمكنوا من توجيه دعم المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي) لتعزيز إطاراتهم. تستخدم مصر قروض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لتأمين الشراكات في مجال تحلية المياه.

كما يستفيد المغرب من الخبرة القانونية للتسهيلات الإفريقية للدعم القانوني في صياغة العقود المتوازنة. ونفس الشيء بالنسبة لجزر القمر. ففي مارس 2024، ساعدت التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني جزر القمر في حل نزاع طويل الأمد مع أحد الخواص بشأن مشروع للبنية التحتية.

ويفضل المستثمرون الخواص البلدان التي توفر مداخيل قارة وقابلية تحويل العملة. وفي جنوب إفريقيا، تشمل مشاريع الطاقة اتفاقيات شراء الطاقة بالدولار، مما يحد من مخاطر تغير سعر الصرف.

نحو جيل جديد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص في إفريقيا

تسلط دراسة التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني الضوء على الحاجة الملحة لتكييف الشراكات بين القطاعين العام والخاص مع تحديات المناخ. ومن ثم، تقوم غانا الآن بإدراج البنود البيئية في العقود الخاصة بالمعادن، كما تتجه نيجيريا نحو الشراكات الخضراء بين القطاعين العام والخاص في مجال الهيدروجين.

أما بالنسبة للدول الأخرى، فإن التحدي يتمثل في الذهاب إلى ما هو أبعد من التقليد القانوني. ومن ثم، عززت أوغندا مؤخرا القدرة القانونية للمؤسسات الحكومية الرئيسية، بما في ذلك السلطة المكلفة بالضرائب، ووزارة الطاقة والتعدين، ووزارة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والسلطة المكلفة بالبترول.

وعززت جمهورية إفريقيا الوسطى قدرات العديد من مسؤولي حكومتها في مجال تدبير وإعادة هيكلة ديون إفريقيا الوسطى.

وبدعم من التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني، تستكشف بوروندي طرق التفاوض وتدبير العقود الخاصة بالمعادن.

وإذا كانت الدول الإفريقية الخمسة تهيمن على الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فإن نجاحها يعتمد على مزيج من السياسات والآليات والبراغماتية الاقتصادية. وبالنسبة للآخرين، يظل الطريق طويلا نسبيا، ولكن ليس مستحيلا: إذ تقدم الدراسة نفسها خارطة طريق لتحويل الأطر القانونية إلى مشاريع.

وفي الوقت الذي وصل فيه العجز السنوي في البنية التحتية للطرق في إفريقيا إلى 100 مليار دولار، فإن الشراكات بين القطاعين العام والخاص لم تعد تشكل بديلا بقدر ما أصبحت ضرورة للبقاء الاقتصادي.

وتقدم التسهيلات الإفريقية للدعم القانوني، من خلال رسم خريطة للممارسات الجيدة والعراقيل، دليلا لتجنب الفخاخ الناجمة عن التقليد التشريعي وبناء شراكات قوية، ولكن شريطة أن تحول الدول الإفريقية هذه التوصيات إلى إجراءات عملية. إن قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو مجرد هيكل، إن المؤسسات والثقة هما ما يعطيان الحياة للمشاريع. إنه درس للتأمل من أجل قارة بحاجة ماسة إلى اللحاق بالركب.

تحرير من طرف Modeste Kouamé
في 02/04/2025 على الساعة 08:00

مرحبا بكم في فضاء التعليق

نريد مساحة للنقاش والتبادل والحوار. من أجل تحسين جودة التبادلات بموجب مقالاتنا، بالإضافة إلى تجربة مساهمتك، ندعوك لمراجعة قواعد الاستخدام الخاصة بنا.

اقرأ ميثاقنا

تعليقاتكم

0/800